(على المرشد ان يقلق ) والعراق ايضا
ضمن الحملة الاعلامية والنفسية المستعرة بين طرفي النزاع المحتدم بين الولايات المتحدة وايران وجّـه الرئيس ترامب تحذيره الصارخ والمعتاد وبعد اجراء اخر مباحثات بينهما وصفها الجانبان بانها "جيدة " صرح الرئيس ترامب محذرا (على المرشد ان يقلق ) في اشارة منه الى ان الحرب ـ التي تحتشد فيها حاملات الطائرات والبوارج والطائرات المقاتلة وفق احدث الطرز تقابلها المسيّرات والصواريخ فرط صوتية والمستعدة للانطلاق نحو اهدافها في اية لحظة ـ هذه المرة ستطال راس النظام في ايران وهي اول اشارة الى وجوب تغيير النظام وهو النظام الذي قام بعد نجاح الثورة الاسلامية في اسقاط نظام الشاه (1979) وتأسيس نظام جمهوري "اسلامي " على انقاض النظام البهلوي الشاهنشاهي بعد سلسلة طويلة من الاحتجاجات والثورات الجماهيرية والاضطرابات التي ساهمت جميعها في اسقاط الشاه وبعد ان تمكن آية الله الخميني بعد عودته من المنفى في باريس والنجف من المبادرة في التأسيس الذي استمر الى هذه اللحظة فحدثت القطيعة الدبلوماسية الشاملة بين ايران وامريكا خاصة بعد رفع شعار (امريكا الشيطان الاكبر) و(الموت لامريكا) وتأجيج الراي العام العالمي ضدها وفق هذه الشعارات الثورية والحماسية .
كانت قضية احتلال السفارة الامريكية في طهران في بداية الثورة على يد الباسيج (الحرس الثوري) لمدة 444 يوما اول اشارة الى استحكام العداء بينهما فبدأت التجاذبات والمماحكات والاشارات الاستفزازية والتسقيطات بين الطرفين وخاصة بعد اندلاع الحرب العراقية ـ الايرانية واتهام امريكا وحلفائها لاسيما دول الخليج بمساندة العراق الشاملة في هذه الحرب (1980 ـ 1988) والتي دفع فيها البلدان ملايين القتلى فضلا عن خراب اقتصادهما الريعي بعد ان كانا يعتبران في القمة بين دول المنطقة فضلا عن العالم الثالث والنفطية .
والذي نفهمه من هذه التوطئة التاريخية ان العداء المستحكم والمستمر بين امريكا وايران لم يكن وليد اللحظة او لظرف سياسي معين بل هو نشأ بين تضارب ايديولوجيتين متنافرتين تماما وبين نظامين يقومان على تحشيد كافة مقومات الصراع من اجل اثبات احقية نظريتها في الحياة ولهذا لم يكن موقف الولايات المتحدة من ايران بسبب تداعيات الملف النووي الايراني ومايصاحبه من ملفات مشابهة اخرى كملف المسيّرات والصواريخ فرط صوتية وملف الفصائل المرتبطة بايران ـ ينطلق من فراغ بل هو نتيجة كم هائل من تراكم تداعيات وتراكمات سياسية استمرت طيلة اكثر من نصف قرن من الزمان بل ابعد من ذلك بكثير اي من انقلاب مصدق سنة1953 لإزاحة الشاه ولكنه لم ينجح بسبب تواطؤ مخابرات امريكا وحليفتها بريطانيا مع الشاه ومن ذلك التاريخ بدأ العداء والتنافر بين الطرفين .
ولكن من سوء حظ العراق ان يقع في وسط هذه المعمعة الجيوسياسية المتأزمة والمتلاطمة بشكل مستديم ومن المقدّر له ـ لاسمح الله ـ ان يدفع العراق ثمن جميع المهاترات باهظا والتي تحدث بين الاطراف المتحاربة واصحاب الايديولوجيات المتعاكسة والمشاريع السياسية المتناقضة ، رغم ارتباطه الاقتصادي والطاقوي مع ايران كدولة "جوار" لابديل عنها فيكون العراق وفق هذه التوليفة المضطربة من اكثر المتضررين في حالة حدوث حرب ضروس شاملة بين ايران (وفصائلها) وبين الولايات المتحدة (الشيطان الاكبر) وحلفائه وهي حرب ستشبه حربا عالمية ثالثة ـ ان حدثت وهو متوقع ـ ولن يقف ضررها على اطراف النزاع فقط بل سيمتد الى اكثر من رقعة في الشرق الاوسط والخليج تمتد اليها انياب واذرع امريكا وايران كون العراق وفي وضعه المالي الصعب والتشرذم السياسي والمجتمعي المتشظي الظاهر معرض اكثر من غيره من دول المنطقة الى مخاطر غير محسوبة العواقب ستطيح بمقوماته الحضارية والجيوسياسية والبشرية وستضع تجربته الديموقراطية الوليدة والبكر في مهب الريح ، لذا على العراق البلد الهش اجتماعيا وسياسيا واقتصادا ان يقلق منذ اكثر من عقدين من الزمن .