ادخار الرواتب والتسريح الإجباري.. سيناريوهات قاتمة لمواجهة الأزمة المالية

تقارير 20 February 2026
لم يعد الحديث عن الأزمة المالية في العراق ترفاً سياسياً أو سجالاً بين خبراء الاقتصاد، بل تحول إلى واقع يومي يعيشه المواطنون، بكل فئاتهم، وبين نفي رسمي لوجود شح في السيولة، ووقائع ميدانية تكشف نقصاً كبيراً في تمويل رواتب الموظفين، تتزاحم الأسئلة حول الخيارات التي قد تلجأ إليها الحكومة إذا اشتد الخناق المالي، وفيما إذا كانت ستتجه نحو الادخار الإجباري، أو تخفيض الرواتب، أو تسريح الموظفين “الفائضين عن الحاجة”.

ويقول الباحث في الشأن الاقتصادي حيدر الشيخ، إن “العراق يصدر يومياً نحو 3.5 ملايين برميل من النفط الخام، بمعدل يزيد على 100 مليون برميل شهرياً، إذ تبلغ الإيرادات الشهرية قرابة 8 تريليونات دينار (الدولار رسمياً 1320 دينار)، يذهب منها نحو 6 تريليونات مباشرة إلى الرواتب”.

ويبين الشيخ، أن “أي انخفاض في سعر برميل النفط دون مستوى 60 دولاراً سيؤدي إلى أزمة مالية وصعوبة حقيقية في تأمين الرواتب”، موضحاً أن “مصير تأمين رواتب الموظفين بات مرتبطاً بالتطورات والأزمات الدولية، لأن أسعار النفط لا تتحرك وفق العرض والطلب فقط، بل تتأثر بالصراعات الجيوسياسية”.

ويحذر من أن “أي اتفاق بين روسيا وأوكرانيا قد يدفع الأسعار إلى ما دون 50 دولاراً للبرميل، الأمر الذي سيُدخل العراق في حالة طوارئ مالية، ويضع الحكومة أمام تحد كبير في تأمين رواتب أكثر من 4.5 مليون موظف”.

وعلى وقع تلك التطورات، برزت سيناريوهات متعددة قد تلجأ إليها الحكومة، في مقدمتها نظام الادخار الذي سبق أن اعتمدته حكومة إقليم كردستان في شباط 2016، حين قررت حفظ جزء من رواتب موظفي القطاع العام كإجراء مالي طارئ، في خطوة عُدت آنذاك من أبرز إجراءات التقشف لمواجهة أزمة مالية خانقة نجمت عن الخلافات مع الحكومة الاتحادية في بغداد وتراجع عائدات النفط.

واعتُبر الاقتطاع “ادخاراً” إلزامياً من الراتب الأساسي والمخصصات، وبنسب تراوحت بين 15 و75 بالمئة، بحسب فئات الرواتب، ما أثار موجة احتجاجات واسعة في مدن الإقليم، واستمرت تداعياته الاجتماعية والاقتصادية لسنوات، وسط مطالبات بإعادة المستقطعات وضمان عدم تكرار التجربة مستقبلاً، قبل أن تضطر حكومة الإقليم للتراجع عنه لاحقاً في عام 2019.

وبالرغم من أن الحكومة العراقية لم تعلن رسمياً لجوءها إلى خيار الادخار أو الاستقطاع المنظم من الرواتب، إلا أن ما حصل في محافظة ديالى الشهر الماضي، أعاد هذا السيناريو إلى الواجهة من جديد، بعد أن كشفت تربية المحافظة عن وصول التمويل بنقص يقارب مليار دينار، ما اضطرها إلى تخفيض مبالغ الرواتب بشكل مؤقت لضمان الصرف وعدم تأخيرها. 

لكن الخبير الباحث والأكاديمي عبدالحسن الشمري، يستبعد من جانبه، لجوء الحكومة إلى تطبيق نظام ادخار إلزامي على غرار تجربة إقليم كردستان في 2016، مشيراً إلى أن “الوضع المالي للعراق، رغم الضغوط الحالية، لا يزال يختلف من حيث حجم الإيرادات والسيولة المتاحة، ولا يمكن مقارنته مباشرة بظروف الإقليم آنذاك”. 

ويرى الشمري، أن “أي خطوة باتجاه الاستقطاع أو الادخار الإجباري ستنعكس سلباً على السوق المحلية، لأن الرواتب تمثل المحرك الأساس للاستهلاك في العراق، وأي خفض فعلي فيها سيؤدي إلى انكماش اقتصادي سريع، ويضاعف من حدة التوتر الاجتماعي”. 

ويشدد على أن “المعالجات يجب أن تذهب باتجاه ضبط الإنفاق غير الضروري وتعزيز الإيرادات غير النفطية، بدلاً من تحميل الموظف تبعات الاختلالات المالية”.

وبرغم التطمينات الحكومية التي لا تكاد تتوقف بشأن سلامة الوضع المالي وقدرة الدولة على الإيفاء بالتزاماتها، فإن جملة القرارات الأخيرة لمجلس الوزراء أثارت موجة تساؤلات في الأوساط الاقتصادية والشعبية، وفي مقدمتها تفعيل قانون التعرفة الجمركية، الذي أحدث ضجة واسعة في الأسواق.

كما لجأت الحكومة أخيراً، تحت وطأة الضغوط المالية، إلى الاستعانة بقانون سابق كانت تعمل به حكومة حزب البعث المنحل، ويحمل الرقم 770 لسنة 1987، ويتيح هذا القانون للدوائر تحديد فئة من الموظفين بوصفهم “فائضين”، ومن ثم منحهم وضعاً أقرب إلى التقاعد المؤقت، بما يقلل عدد الموجودين فعلياً، وهو ما أثار مخاوف من الاستغلال السياسي، أو تصفية الخصوم، فيما يتعلق بآلية تحديد “الفائضين”. 

وفي ذات السياق، أعلن مكتب رئيس حكومة تصريف الأعمال، محمد شياع السوداني دمج وتنظيم عدد من التشكيلات داخل المكتب، وإنهاء عقود مستشارين وخبراء كلفوا بمتابعة ملفات تنفيذ البرنامج الحكومي، إضافة إلى خطوات ضغط للنفقات في أبواب الموازنة التشغيلية، ما أعطى صورة أوضح عن طبيعة الأزمة المالية. 

إلى ذلك، يرى الخبير الاقتصادي دريد العنزي، أن “الحكومة لا ينبغي أن تبحث عن حلول سهلة عبر الضغط على المواطنين أو التجار، بل مراجعة آليات الصرف، والهدر والتجاوزات التي رافقت الإنفاق العام خلال السنوات الماضية”. 

ويضيف العنزي، أن “العجز لا يُعالج بفرض أعباء جديدة أو التضييق على السوق، لأن كسر حركة التجار يعني شللاً في الاقتصاد العراقي بأكمله”، مشيراً إلى أن “المعالجة يجب أن تبدأ من ضبط النفقات غير المبررة، ومراجعة آليات العقود والعطاءات والهبات والمصاريف التي يمكن تقليصها دون المساس برواتب المواطنين”.

ويضيف أن “الضغط على الرواتب أو فرض إجراءات تمس دخل المواطنين لا يكون خياراً إلا في حالات الإفلاس، والإفلاس ليس مالياً فقط بل قد يكون فكرياً وإدارياً في إدارة الدولة”. 

ويرى الخبير الاقتصادي، أن “الاستفادة من التخصيصات المتاحة وإدارة العلاقة المالية مع الجهات الدولية يجب أن تتم بشكل مهني ومنظم، مع إعادة ترتيب الأولويات وضبط المصروفات التشغيلية”، مشدداً على أن “تقليص الهدر وضبط الصرف غير المشروع هو المدخل الأساس لعبور الأزمة، وتمهيد الطريق أمام الحكومة المقبلة لوضع مسار مالي أكثر استقراراً”.

وتأخرت رواتب الموظفين والمتقاعدين لشهر كانون الثاني الماضي، أكثر من أسبوعين، ما أثار قلقاً متصاعداً بين شرائح واسعة تعتمد بشكل شبه كامل على الدخل الحكومي لتأمين متطلبات المعيشة. 

وفي الوقت الذي سرت فيه أنباء عن عزم وزارة المالية اعتماد آلية جديدة تقضي بتوزيع الرواتب كل 45 يوماً بدلاً من الصرف الشهري، سارعت الوزارة إلى نفي تلك المعلومات، مؤكدة أن جدول الرواتب لم يطرأ عليه أي تعديل رسمي.

إلا أن تكرار حالات التأخير، حتى مع النفي الحكومي، أبقى المخاوف قائمة في الشارع، وفتح باب التكهنات بشأن طبيعة الضغوط التي تواجهها الخزينة، وسط تساؤلات عن قدرة الدولة على الاستمرار في إدارة التزاماتها الشهرية دون اللجوء إلى إجراءات تقشفية أوسع.



المصدر: العالم الجديد