من أحزن والدَيه فقد عقّهما
إدخال الحزن على قلب الوالدين بغير حقٍّ لونٌ من ألوان العقوق؛ لأن العقوق لا يقتصر على الضرب أو السبّ أو القطيعة، بل يشمل كل تصرّف يؤذيهما نفسيًّا أو معنويًّا، وقد دلّ القرآن الكريم على أدقّ صور البرّ، فقال تعالى: (فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا) الإسراء: 23. فإذا كان التأفّف ـ وهو أدنى مراتب التضجّر ـ محرّماً، فكيف بما يسبّب لهما حزناً وألماً؟ اذ ان العقوق يبدأ من الإيذاء اليسير، فكيف بالحزن العميق أو الكلمة الجارحة أو التصرّف الذي يكسر قلبهما؟
وهنا لابد من الإشارة الى انه ليس كل حزنٍ يصيب الوالدين يُعدّ عقوقاً، فهناك فرق بين حزنٍ ناشئ عن معصيةٍ أو إساءةٍ أو قسوة، فهذا من العقوق، وحزنٍ ناشئ عن تمسّك الولد بطاعة الله أو أداء واجب شرعي، فهذا لا يُعدّ عقوقاً، لأنه "لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق"، واعلم ان إدخال السرور على الوالدين عبادة عظيمة، وكذلك تجنّب كل ما يحزنهما هو من تمام البرّ، فالمؤمن الواعي يزن كلماته، ونظراته، ونبرته، وتصرفاته، لأن قلب الوالدين رقيق، وكسره ليس هيّناً عند الله تعالى.
العقوق قد يكون في أدقّ التفاصيل، وأن البرّ ليس مجرّد سلوك ظاهري، بل هو شعورٌ عميقٌ بمقام الوالدين، والحزن الذي يُدخل على قلب الوالدين قد لا يُرى، لكنه عند الله عظيم.
في زماننا هذا قد لا يضرب الأبناء والديهم، لكن قد يقع العقوق بصورٍ أخرى، مثل الانشغال الدائم بالهاتف وعدم الإصغاء لهما، الردّ الجافّ أو السريع بنبرة ضجر، إحراجهما أمام الآخرين، إهمالهما عند الكِبَر بحجّة الانشغال، قد يقول الابن: "لم أفعل شيئاً!" لكن الأم قد تنام وهي حزينة، والأب قد يسكت وقلبه منكسِر، وهنا يتحقق معنى قول رسول الله (صلى الله عليه وآله): (من أحزن والدَيه فقد عقّهما) ميزان الحكمة - محمد الريشهري - ج ٤ - ص ٣٦٧٨.
الحديث يعبر عن بُعدٌ أخلاقيّ عميق، فالوالدان لا يحزنهما غالباً فقدان المال، بل فقدان الاهتمام، ولا يؤلمهما التعب، بل يؤلمهما الجفاء، والبرّ الحقيقي ليس فقط في النفقة، بل في الكلمة الطيبة، النظرة الرحيمة، الإصغاء باهتمام، الدعاء لهما في حضورهما وغيابهما.
إذا أردنا أن نقيس أنفسنا فلنسأل: "هل عصيتُ والديّ؟" بل: "هل أدخلتُ السرور إلى قلبيهما اليوم؟" فبين إدخال السرور وإدخال الحزن، تتحدّد منزلة الإنسان عند الله.
عن الإمام الباقر (عليه السلام): (إن أبي نظر إلى رجلٍ ومعه ابنه يمشي، والإبن متكئ على ذراع الأب، قال: فما كلّمه أبي (عليه السلام) مقتاً له حتى فارق الدنيا) الكافي - الشيخ الكليني - ج ٢ - ص ٣٤٩.
هل في الرواية صيغة نهي؟ لا توجد صيغة أمر أو نهي صريحة، لم يقل الإمام: "لا تتكئوا"، وإنما حُكي فعلٌ وموقفٌ (الإعراض والمقت) إذن الدلالة فعلية تقريرية لا لفظية إنشائية.
ما معنى "المقت"؟ المقت في اللغة: أشدّ البغض، لكن هنا يجب الانتباه، المقت صدر من الإمام تجاه الفعل، ولم يَرِدْ أنه حكم عليه بالفسق، ولم يأمره بالتوبة، ولم يُقم عليه حدًّا أو يُشهّره، فالموقف أقرب إلى التقريع التربوي منه إلى الحكم الفقهي التحريمي.
هذه الرواية لا تؤسس حكمًا فقهيًا جزئيًا بقدر ما تؤسس ذوقًا شرعيًا، فالفقه يضع الحدّ الأدنى: لا تؤذِ" أما مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) فترفع السقف إلى: "عظِّم، ووقِّر، ولا تجعل نفسك في موضع استعلاءٍ عليهم ولو هيئةً" الرواية لا تدلّ نصًّا على التحريم، بقدر ما تكشف عن شدة قبح كل ما يوهم الانتقاص من مقام الوالد، والقدر المتيقن فقهيًا حرمة ما يُعدّ عرفًا إيذاءً أو استخفافًا.
هذه الرواية تُنقل في كتب الأخلاق ضمن باب آداب البرّ، ومضمونها يدلّ على شدّة تحفّظ أهل البيت (عليهم السلام) من كل ما يُشعر بقلة الاحترام للوالد، والمقصود بـ "أبي" هنا هو الإمام زين العابدين، هذه الحادثة لا تتعلّق بحرمة الاتكاء بذاته من حيث الحكم الفقهي، بل بما قد يحمله من معنى، فالاتكاء عادةً يكون من الضعيف على القوي، فإذا اتكأ الابن على أبيه بطريقةٍ توحي بأن الأب في موضع الخدمة أو الاتكاء، فقد يُفهم منه قلبٌ لموازين الاحترام.
وفي الثقافة العربية القديمة، كان في هذا الفعل إيحاءٌ بعدم توقير الكبير، لذلك كان موقف الإمام (عليه السلام) تربوياً، لا انتقامياً؛ أي أنّه أراد أن يبيّن أن أدنى ما يُشعر بعدم التعظيم قد يدخل في دائرة العقوق الأدبي.
والسؤال الذي يفرض نفسه هنا هل كل اتكاءٍ عقوق؟ ليس بالضرورة، فلو كان الأب مسروراً، أو كان الاتكاء بدافع العطف أو المرض أو الحاجة، فلا يُفهم منه معنى الانتقاص، العبرة ليست بالفعل الماديّ وحده، بل بالمعنى الكامن وراءه.
البعد التربوي في الرواية انها ترسم لنا معياراً راقياً جداً، فالعقوق ليس فقط في الإيذاء، بل قد يكون في هيئةٍ توحي بعدم التوقير، وهذا ينسجم مع قوله تعالى: (فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ) فكيف بما هو أظهر من التأفّف؟ قد لا يتكئ الابن على ذراع أبيه، لكن قد يمشي أمامه متكبّراً، يناديه باسمه مجرّداً، يرفع صوته عليه، يتعامل معه بنديّةٍ قاسية، وهذه كلّها صورٌ حديثة لما حذّر منه الإمام عليه السلام، ومعيار العقوق هو الإيذاء عرفًا، سواء كان لفظيًّا أو فعليًّا أو نفسيًّا.