أَسْحارٌ رَمَضانِيَّةٌ.. السَّنةُ الثَّالِثَةُ عشَرَة (15)
{وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ ۖ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ}.
كُلَّما حلَّت علينا ليلةُ النِّصفِ من شهرِ الله الفَضيل رمَضان المُبارك من كُلِّ عامٍ، حلَّت علينا ذِكرى وِلادة السِّبط الأَوَّل لرسولِ الله (ص) الإِمامُ الحسَنِ بن عليِّ المُجتبى إِبنُ فاطمةَ الزَّهراء بنتَ رسولِ الله (ع).
وكُلَّما استحضَرنا التَّاريخَ في الذِّكرى شخصَ أَمامنا الحدثُ الأَهم في حياةِ الإِمامِ (ع) وأَقصدُ بهِ [الصُّلح] وبإِزائِهِ تشخصُ أَمامنا [عاشُوراء].
نحنُ، إِذن، أَمامَ حدثَينِ مُختلِفَينِ بكُلِّ المعاييرِ لإِمامَينِ معصُومَينِ هُما سيِّدا شبابِ أَهلِ الجنَّة الحسَن والحُسين (ع) الأَوَّلُ عام [٤١ للهجرةِ] والثَّاني عام [٦١ للهجرةِ] وأَمامهُما يُثار السُّؤَال الإٍستراتيجي؛
لماذا صالحَ إِمامٌ وثارَ آخر؟!.
سأُناقشُ الجَوابَ من زاويةٍ واحدةٍ كثيراً ما نُبتلى بها كلَّما مرَّت بنا تحدِّيات وأَزمات ومُنعطفات، والذي أُناقشهُ من خلالِ السُّؤَال التَّالي؛
إِنَّ كِلا الحدثَينِ صحيحٌ ولا يقبلُ أَيٍّ منهُما الشَّكُّ، فالذي صالحَ إِمامٌ معصومٌ والذي ثارَ إِمامٌ معصُومٌ كذلكَ أَي أَنَّ كِلا الفِعلَينِ حُجَّةٌ علينا وممَّا لا شكَّ فيهِ كذلكَ فإِنَّ كِلا المَوقِفَين كانا في إِطارِ التَّكليفِ الشَّرعي والإِلتزامِ بهِ وعدمِ الخروجِ عليهِ قيدَ أَنمُلةٍ على اختِلافهِما.
فكيفَ يتمُّ تحديد التَّكليف الشَّرعي في الزَّمانِ والمكانِ المُحدَّدَينِ؟! فيكونُ الصُّلحُ تكليفٌ شرعيٌّ والثَّورةُ تكليفٌ شرعيٌّ؟! على الرَّغمِ من إِختلافِ الجَوهرِ في المَوقِفَينِ؟!.
وليسَ المقصودُ هنا بالتَّكليفِ الشَّرعي الشَّخصي [تكليفُ الفردِ] فذلكَ يقدِّرهُ الشَّخصُ نفسهُ فهوَ أَعرفُ بهِ في أُمورهِ وفي الزَّمانِ والمكانِ، إِنَّما الحديثُ عن التَّكليفِ الشَّرعي في الشَّأنِ العامِّ الذي يخصُّ الأُمَّة.
الجوابُ؛
أ/ الظُّروف السياسيَّة والإِجتماعيَّة وطبيعة السُّلطة ب/ الأَدواتُ والإِستعدادُ والقُدرةُ والفِعلُ ج/ الخَيارات د/ المصالِحُ والمفاسِدُ.
السُّؤَال الآخر، كيفَ يلزَم أَن نقرأَ تاريخ هذَينِ المَوقِفَينِ؟! ولِماذا ترَانا نتمسَّكُ أَحياناً بمَوقفِ الصُّلحِ وأَحياناً بموقفِ الثَّورة؟! ليسَ كخَيارٍ وإِنَّما بسببِ ضغطِ الظُّروفِ فيما نخلطُ أَحياناً في المواقفِ في اللَّحظةِ الواحدةِ؟! لماذا هذا التخبُّطُ والإِنتقائيَّةُ في تلبُّسِ المَواقفِ التَّاريخيَّة؟!.
١/ مُشكلتُنا أَنَّنا نقطِّع المرحَلة التاريخيَّة الواحِدة إِلى قُصاصاتٍ لنستلَّ قصاصةً قصاصةً حسبَ الحاجةِ الآنيَّةِ التي تُحدِّدها مصالِحنا بطريقةِ الذينَ يحدِّثنا عنهُم القُرآن الكريم بقولهِ {قُلْ مَنْ أَنزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَىٰ نُورًا وَهُدًى لِّلنَّاسِ ۖ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا ۖ}.
فلقد أَنزلَ الله تعالى كِتاباً واحداً مُتكامِلاً على نبيِّ الله مُوسى (ع) إِلَّا أَنَّهم كانُوا يُقطِّعونهُ إِلى قراطيسَ مُتناثِرة يُظهِرُونَ في كُلِّ مرَّةٍ قِسماً منها ويخفُونَ قِسماً، يُظهِرُونَ ما يُفيدُ أَجنداتهِم ويخدِمُ مشاريعهُم ويتماشى مع أَهواءهِم فيتباكُونَ عليَها ويُدافعُونَ عنها ويستقتِلونَ من أَجلِ التَّرويجِ لها، إِيماناً بها أَو نِفاقاً، لا فرق!.
أَمَّا التي تضرُّهم ولا تخدِم مشاريعهِم وتتعارَض معَ أَهوائهِم فيُخفونَها ولا يُظهِرُونها أَو حتَّى يُشيرُونَ إِليها أَو يتحدَّثونَ عنها ويذكرُونها، بل يسعَونَ لينسَاها النَّاسُ وكأَنَّها لم تنزِل بالأَساس.
بنفسِ الطَّريقةِ يتعاملُونَ معَ التَّاريخ [الصُّلح وعاشُوراء] فتراهُم يقطِّعونَ أَوصالهُ إِلى قراطيسَ مُتناثِرةً يستلَّونَ منها ما يخدِمُ أَجنداتهِم وأَهوائهِم، فإِذا كانُوا بحاجةٍ إِلى تحشيدِ الشارعِ ليلتفَّ حولهُم من أَجلِ مشروعٍ ما ترى كُلَّ خِطابهِم وحديثهِم وشِعاراتهِم تنصبُّ على الثَّورةِ والتَّضحيةِ والإِستشهادِ، طبعاً مِن دُونِ أَن ترى لهُم ولأُسرهِم أَثراً في ساحةِ التَّحشيدِ!.
إِلَّا أَنَّهم أَنفسهُم على أُهبةِ الإِستعدادِ ليستلُّوا قِرطاساً آخرَ على النَّقيضِ مِن الأَوَّلِ بمجرَّدِ أَن تتغيَّر مصالِحهُم حسبَ تغيُّرِ الظروفِ أَو إِذا فشلُوا في تحقيقِ أَهدافهِم بذاكَ الخِطاب!.
ولذلكَ تراهُم هُم أَنفسهُم رجالُ الثَّورة ورجالُ الصُّلح ورجالُ النَّصرِ ورجالُ الهزيمَةِ ورجالُ النَّجاحِ ورجالُ الفشَلِ ورِجالُ المُقاومةِ ورِجالُ التَّطبيعِ، فالواحدُ منهُم يلعبُ كُلَّ الأَدوارِ في الوقتِ الواحدِ تشفعُ لهُ [قراطيسَ التَّاريخ] المُتناثرة! فهي تحتَ طَوعِ بنانهِ لخدمتهِ وليسَ لخدمةِ الحقيقةِ أَو لتحقيقِ الصَّالحِ العامِّ!.
إِذا أَردنا أَن نُنصِفَ أَحداث التَّاريخ ولا نخدَع أَنفُسنا أَو لا يخدعَنا أَحدٌ من خلالِ التَّوظيف السيِّء للتَّاريخِ وأَحداثهِ المفصليَّة، يلزمُ الإِنتباهَ إِلى؛
*إِنَّ كُلَّ حدثٍ لهُ خصوصيَّتهُ وتفاصيلهُ ومُنطلقاتهُ ونِهاياتهُ [أَهدافهُ] وأَدواتهُ التي تختلِفُ جذريّاً عن أَيِّ حدثٍ آخر، وأَنَّ كُلَّ فصلٍ تاريخيٍّ وحدةٌ كامِلةٌ من الظُّروفِ والمُنطلقاتِ والأَهدافِ والوسائلِ لا يجوزُ تقطيعَها والإِيمانِ ببعضٍ والكُفرِ ببعضٍ!.
*لا يجوزُ بأَيِّ شكلٍ من الأَشكالِ تركيبِ أَجزاءِ فصلٍ على أَجزاءِ فصلٍ آخر لإِنتاجِ فصلٍ ثالثٍ، فهذا التَّلفيقُ تشويهٌ وخِداعٌ ودجَلٌ الغرضُ منهُ في أَغلبِ الأَحيانِ تضليلُ السَّاحةِ من أَجلِ تحقيقِ أَغراضٍ مشبوهةٍ.
تاسيساً على كُلِّ ما تقدَّم، فإِنَّ الصَّلحَ وعاشُوراء؛
١/ حدثانِ مُختلفانِ لكُلِّ واحدٍ منهُما أَسبابهُ وظرُوفهُ وأَهدافهُ لا يمكنُ الخلطَ بينها أَبداً.
هُما حلقتانِ في سلسِلةِ التَّاريخِ، نعَم، ولكنَّهُما يختلِفانِ عن بعضٍ في كُلِّ شيءٍ.
٢/ لا يجوزُ تجزئةَ الحدثَينِ ثمَّ نأخذُ منها ما تشتهيهِ الأَنفُسَ!.
إِذا لم نتعامَل معهُما بهذهِ الطَّريقة فهذا يعني أَنَّنا نظلِم الصُّلح وعاشوراء ونُضلِّل أَنفسَنا وبالتَّالي لن نستفيدَ مِنهُما في شيءٍ.