علي عليه السلام المسجد الحرام يشهق لاستقباله ومسجد ينشج بتوديعه
بادئة لهيب الأسى
تعازٍ ومواساة لكل التائقين والداعين والمتأملين والراجين نيل الحرية وديمومة امتلاكها والإمتثال للكرامة الآدمية للتحرر من كل عبودية فجة للعزم في إثبات الإقتداء وإقتفاء آثار قاموس العدالة والمنادي بضمان حقوق البشر ونشر ما يستحقون من قيم ومبادئ مشرفة .
التعازي والمواساة لمناسبة موعد ذوي شمس الضحى المشرقة في حياة رسول الله صلى الله عليه وآله وبحلول أوان تَخَضِبِ المحراب المقدس بالدم الطاهر الزكي من الهامة الشريفة المقدسة التي تجرأ أشقى الأشقياء على فلقها بسيف الحقد والغدر والضغينة من أجل أن يُطفئَ نورا أبى الله إلا أن يتمه .
تلميحة ودلالة مشعة
مما لا يخفى على الملائكة ولا على الناس ولا على أهل السماوات ولا أهل الأرضين أن الله جل وعلا بفيض قدرته وعظمة مشيئته وحكمته خلق الكعبة لتكون أول بيت وضع للناس .شيدت وكأن هندستها خططت في السماء ونزل بهيكلها القدسي ليثبته على الأرض إبراهيم عليه السلام وكأنه تلقى الأمر من السماء ليرسي ركائزها ويركز قواعدها فانتصبت واحتشدت بها الجلالة والقداسة وكأنها صممت لتكون موطنًا وملتقًى ومهدًا لنور شطره الله جل وعلا من نور نبيه صلى الله عليه وآله المنشطر من نور رب العرش جل جلاله انبثق نور علي عليه السلام وشع وسط الكعبة لينذر الأصنام التي توسطت رحابها أو أحاطت به وتصعق عيون منشئيها بتلألؤِ هذا النور.
شع نور بشري إذ وجد لغاية أرادها الله سبحانه وتعالى نور يتوعد الشرك والمشركين وما يتخذون من أرباب من الحجارة المزيفة. يتوعدهم حتى يحين أوان اعتلائه كتف خير خلق الله محمد صلى الله عليه وآله ليحطم تلك الهياكل التي صنعت من الحجارة بأيدي وعقول وغضاضة المشركين واتخذوها أربابًا تُعبد من دون الله.
عضُدٌ يكشف الكرب عن الوجوه
في البيت الذي وُضع للناس شع نور علي عليه السلام بعد أن انشق جداره ليخترقه النور المنبعث من سموات التوحيد والعقيدة.
يشع النور وتتسع الرحاب وتطول المساحات والمسافات وتتمدد الرقاع وتستنير الفضاءات وتبتهج الآفاق.
والشعاع والإبراق بعد أن تلألأ ونما توهجه وانتشر لابد ان يلتحق ويلتئم بالمصدر الذي انشطر منه نوره. فنور علي منشطر من نور محمد صلى الله عليهما وآلهما فلابد أن يلتئم الإنشطار.
ونشأ علي عليه السلام ليكون كالظل لرسول ألله صلى الله عليه وآله. يصاحبه ليشترك بسرائه وضرائه ورسول الله صلى الله عليه وآله يندبه متى شاء ومتى توجب انتدابه ويتخذ منه العضد المستعان به في الشدائد ليمتزجا بالاستعانة فيستعين بهما الناس بأمر من الله تبارك وتعالى : ( وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ ) ـ البقرة / 45 وكان نعم العضد ونعم المستعان ونعم المصاحب والملاصق له كالظل. ليكشف عنه كل كرب ويزيح كل هم وغم ويحشد صدره بالبهجة والانشراح ويجعل العسر يسرا.
واشتركا بالإبلاغ للهدى ودين الحق ولم يفترقا أبدًا: (حم * وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ) *
وأقرت لهما بذلك مصاديق القرآن المبين بآيات بينات الذي يهدي للتي هي أقوم موضحًا أن محمدًا صلى الله عليه وآله المرشد وعليا صلوات الله عليه المنذر يخاطبها القرآن الكريم : ( إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ ) ـ الرعد / 7 وعلي عليه السلام عدل القرآن وقرينه فهو كما القرآن يهدي للتي هي أقوم.
ذرية بعضها من بعض
حتى آن الأوان أن يشتركا بالاصطفاء ليكونا أبوي هذه الأمة وتتناسل منهما ذرية مباركة تحيا بعضها من بعض : (وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا ) ـ الفرقان / 54 لم يكن الالتقاء والتواصل مدده وأمده مقتصرًا وجوده على الدنيا فحسب إنما أراده الله جل وعلا أن يعيشا معًا ويرحلا معًا ليقفا يوم القيامة يأتمران بأمر الله حين يخاطبهما تبارك وتعالى بقوله : ( أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ ) ـ ق /24.
نفحة من ألطاف القدرةـ
وحين آن الأوان أن يتقلد زمام الخلافة الربانية التي أمر بها رب العزة والجلالة نبيه الكريم محمدا صلى الله عليه وآله ليعلن عن تنصيب خليفة الله خليفة له فأعلنها النبي الكريم صلى الله عليه وآله على الملأ ليسمع الناس ويتبعوا أحسن القول لم يكن خليفة أو حاكما أو رئيسا كما يحلو للبعض أن يكونوا بل هو قائد وأب روحي ينسل بضميره بين هموم الناس ويذوب بحنينه بعيش الفقراء فلم يحصل لا قبله ولا بعد أن يتولى خلافة الولاية على الناس فيكون أدنى بأضعاف الدرجات من أدناهم في جشوبة عيشه وفي كفافه ويساوي فرد نعله البالي بخلافتهم التي أراد البعض أن يمتلك منها كنوزا بغير حق . فقد كان حتى أضعف الفقراء يأكل خبزا بغموس معين ولو كان الماء إنما هو الذي يختم الجراب خشية أن يبلل خبزه اليابس المختوم الحسن أو الحسين أو زينب عليهم السلام بزيت أو خَلٍّ أو ماء وحين يشاركه أحدهم بكسرة خبز فلا يتيسر له كسرها إلا بركبتيه .
إنه ناصر الفقراء بغنى زهده.
أمير المؤمنين عليه السلام ما هو إلا بحر علم لا حدود له ونبع لا ينضب وهو عيبة علم الله لا يسبقه في علمه سابق ولا يلحقه لاحق بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وهو القائل علمني رسول الله صلى لله عليه وآله ألف باب يفتح لي من كل باب ألف باب .
حتى آن الأوان ليخبره رسول الله صلى الله عليهما وآلهما. بقدوم أشقى الأولين والآخرين ليخضب الشيبة المفضضة المباركة من عبيط دم مقدس طاهر
فيبدأ بإخبار الملائكة والناس أجمعين بالظفر بالمرتجى والمفازة والغلبة حين يقول : ( فزت ورب الكعبة) وحين نزعم بأننا نتبع منهجه المقدس ونوالي عظمته وننتسب إلى متابعيه ومشايعيه يقتضي أن ننتهل من نبعه الصافي النقي مما يطفئ لهيب جمرة الظامئ اللهفان ونتزود من وصاياه أدبا وخلقا وتهذيبا وتفوقا نغتنم به سعادة دنيوية وأخروية