سقّاء البيوت… ذاكرة مهنة إنسانية في شوارع كربلاء القديمة

اخبار محلية 12 March 2026
لم تكن مهنة سقّاء البيوت في مدينة كربلاء المقدسة مجرد عملٍ لتوفير الماء، بل كانت جزءاً من منظومة اجتماعية وإنسانية عميقة ارتبطت بتاريخ المدينة وخدمة أهلها وزائريها، وازدادت حضوراً في المواسم الدينية، ولا سيما في شهر رمضان المبارك.

وتشير موسوعة كربلاء الحضارية الصادرة عن مركز كربلاء للدراسات والبحوث إلى أن السقّائين، أو ما يُعرف مفردهم بـ "السقّاء" أو "الملّاء"، كانوا يتولون نقل المياه من الأنهار والخزانات القريبة إلى المساجد والمدارس والمنازل وأسبلة الشرب العامة، في زمنٍ لم تكن فيه شبكات المياه قد وصلت إلى بيوت المدينة.

ووفقاً للموسوعة، فإن السقّاء كان يجوب الأزقة حاملاً قربته الجلدية المملوءة بالماء، وفي يده طاسات من النحاس، يقدّم الماء للعطاش ويدعو للناس بالخير والبركة، كما كان لكل سقّاء زبائنه من الأهالي، يملأ لهم أوانيهم مقابل أجر بسيط يعود به في نهاية يومه ليؤمّن قوت عائلته.

يذكر أنه وعلى الرغم من أن هذه المهنة كانت وسيلة للرزق، إلا أن كثيراً من السقّائين أدّوها أيضاً بدافع ديني وإنساني، طلباً للأجر وإحياءً لذكرى الإمام الحسين الذي استشهد عطشاناً في أرض كربلاء، وهو ما منح هذه المهنة بُعداً روحياً خاصاً في وجدان المجتمع الكربلائي.

وقبل نحو نصف قرن أو أكثر، كانت الحاجة إلى السقّائين كبيرة في المدينة، إذ كانوا يجلبون المياه من الأنهار القريبة باستخدام القرب أو التنك، ويتحملون مشقة الطريق لضمان وصول الماء نقياً إلى المنازل وأسبلة الشرب، فيما كان من أهم شروط هذه المهنة، هي الأمانة والحرص على نظافة الماء، لذلك كان يجب أن تكون القربة خالية من الثقوب وغير مطلية حتى لا يتلوث الماء.

وللسقّائين أيضاً، مكان معروف في ذاكرة المدينة، حيث كان لهم خان خاص في منطقة باب القبلة قرب شارع الجمهورية، عُرف بـ "خان الباشا"، وقد شُيّد هذا الخان في القرن الثامن عشر الميلادي لاستقبال زوار الإمام الحسين (عليه السلام)، حيث كان السقّاؤون يحتفظون فيه بالماء صيفاً وشتاءً داخل كيزان خزفية، إلى جانب الغرف التي كانت تأوي الزائرين والفقراء خلال مواسم الزيارة.

كما لم يقتصر دور السقّائين على نقل الماء فقط، بل أسهموا في أعمال إنسانية وخدمية عديدة؛ فقد كانوا يهرعون لإخماد الحرائق متى ما اندلعت في المدينة، فضلاً عن قيامهم برش الأسواق والأزقة بالماء لتلطيف الجو في فصل الصيف، الى جانب تقديم الماء مجاناً للمارة والعطاش.

أما في شهر رمضان المبارك، فتبرز أهمية هذه المهنة بصورة أكبر، إذ يكثر الطلب على الماء في المساجد وأماكن التجمعات، ويحرص أهل الخير على دعم السقّائين ومكافأتهم، سواء بمنحهم الكسوة الجديدة في المناسبات أو تقديم الطعام لهم في الأعياد والأفراح.

وقد انتشرت في كربلاء أماكن مخصصة لسقاية الناس تُعرف بـ "السبيل"، وهي خزانات معدنية أو نحاسية مزودة بحنفيات للشرب، كان السقّاؤون يملؤونها باستمرار لخدمة الزائرين والمسافرين والمارة في طرق المدينة، في صورة تجسد روح التكافل والخدمة التي عُرفت بها كربلاء عبر تاريخها.

ورغم اختفاء هذه المهنة تدريجياً مع تطور شبكات المياه الحديثة، فإن ذكراها ما تزال حاضرة في الذاكرة الشعبية للمدينة، باعتبارها إحدى المهن التي ارتبطت بخدمة الإنسان والزائر، وبقصة الماء التي لا تنفصل عن تاريخ كربلاء وروحها الدينية.

المصدر: مركز كربلاء للدراسات والبحوث، موسوعة كربلاء الحضارية، المحور الإجتماعي، ج1، 2020، ص121-224.