مدى قدرة التكنولوجيا على تحقيق العدالة - كاميرات المراقبة المرورية أنموذجاً
شهدت السنوات الأخيرة تحولاً تقنياً غير مسبوق في جميع مجالات الحياة، وساهم هذا التحول في إعادة تشكيل العديد من المؤسسات، بما في ذلك مؤسسات الدولة التي تُعنى بتنفيذ القانون وتحقيق العدالة. ومن أبرز مظاهر هذا التحول هو استخدام التكنولوجيا في فرض العقوبات القانونية، سواء عبر الأنظمة الإلكترونية أو كاميرات المراقبة الذكية أو برامج الرصد الرقمية التي أصبحت أدوات فعالة لمراقبة المخالفات وتطبيق القانون بشكل أسرع وأكثر دقة.
وظهر في هذا الجانب سؤال محوري هو: إلى أي مدى يمكن للتكنولوجيا أن تساهم في تحقيق العدالة؟ وهل التكنولوجيا تضمن العدالة الجنائية؟ حيث إن العدالة الجنائية لا تعني مجرد تطبيق النصوص القانونية بشكل آلي، بل تقوم على مجموعة من المبادئ الأساسية التي تضمن حماية الحقوق الفردية والمجتمعية، ويأتي في مقدمة هذه المبادئ مبدأ الشرعية الجنائية الذي يقتضي أن يكون كل فعل معاقب عليه منصوصاً عليه في القانون، وأن تكون العقوبة محددة مسبقاً، ويُعبّر عن هذا المبدأ بالقاعدة القانونية والدستورية «لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص». ويضمن هذا المبدأ عدم التعرض للتجريم أو العقاب إلا وفق نص قانوني واضح وذلك لحماية الأفراد من التفسيرات التعسفية للنصوص القانونية وضمان حق المتقاضين في الاعتراض والدفاع عن أنفسهم أمام الجهات المختصة، وإن مبدأ الشرعية يضع الإطار القانوني الذي يسمح للتكنولوجيا بالعمل داخل حدود القانون بحيث تصبح وسيلة لتطبيق النصوص لا أداة لاستحداث عقوبات خارجها.
المادة (28) من قانون المرور العراقي رقم 8 لسنة 2019 وضعت إطاراً قانونياً واضحاً، حيث أعطى المشرع العراقي في قانون المرور رقم 8 لسنة 2019 مثالاً واضحاً على كيفية توظيف التكنولوجيا مع الالتزام بمبدأ الشرعية. فقد نصت المادة (28) على إمكانية استخدام الوسائل الفنية الحديثة بما في ذلك كاميرات المراقبة وأجهزة الرصد الإلكترونية في تسجيل المخالفات المرورية وإثباتها، حيث نصت المادة ٢٨ / اولا من قانون المرور النافذ " اولا : أ – لضابط المرور بناء على مشاهدته او المراقبة على اجهزة الرصد سلطة قاضي جنح في فرض الغرامات المنصوص عليها في المواد ( 25، 26، 27 ) من هذا القانون عن المخالفات المرورية التي تقع امامه او التي تظهر على شاشات الرصد وتصدر العقوبة على وفق انموذج الحكم المرافق لهذا القانون، ب – لمفوض المرور المختص لحد الدرجة الرابعة بناء على مشاهدته او المراقبة على اجهزة الرصد سلطة قاضي جنح في فرض الغرامات المنصوص عليها في المواد ( 25/ ثالثا ) و (26 ) من هذا القانون عن المخالفات المرورية التي تقع امامه او التي تظهر على شاشات الرصد وتصدر العقوبة على وفق انموذج الحكم المرافق لهذا القانون "، ويشكل هذا النص القانوني أساساً صريحاً لاعتماد العقوبات الإلكترونية في المخالفات المرورية، إذ يضمن أن العقوبة التي تُفرض نتيجة رصد المخالفة إلكترونياً هي تطبيق مباشر لنص القانون وليست استحداثاً خارج النصوص القانونية، وبذلك يتحقق التوافق بين التطور التكنولوجي والالتزام بالقانون ومبدأ الشرعية الجنائية.
والعقوبات الالكترونية شأنها شأن وسائل التكنولوجيا الأخرى لها مزايا وعيوب، ومن أهم مزايا العقوبات الإلكترونية في تحقيق العدالة هي أنها تتمتع بزيادة دقة تسجيل المخالفات وتقلل التكنولوجيا من الخطأ البشري في تحديد المخالفات مثل تجاوز السرعة أو المخالفات المرورية الأخرى، وتساهم المراقبة المستمرة للطرق في ضبط السلوكيات الخطرة والحد من الحوادث، فضلاً عن تسريع الإجراءات، حيث يمكن إرسال المخالفات والغرامات مباشرة عبر الأنظمة الإلكترونية مما يقلل من الوقت المستغرق في الإجراءات التقليدية فضلاً عن ضمان الشفافية والحد من الفساد، ويقلل التعامل الإلكتروني من الاحتكاك المباشر بين المواطنين والموظفين ويحد من التدخلات الشخصية في إصدار العقوبات فضلاً عن تمكين الجهات القضائية والإدارية في عملها، حيث يوفر النظام الإلكتروني قاعدة بيانات دقيقة تساعد على اتخاذ قرارات مستندة إلى الحقائق بدقة أكبر.
أما عيوبها فتتمثل في التحديات القانونية والواقعية، حيث يظل استخدام التكنولوجيا في فرض العقوبات يطرح تحديات جدية، أهمها الأخطاء التقنية والمسؤولية القانونية، حيث قد يحدث أن يسجل النظام مخالفة خاطئة أو يفرض عقوبة على شخص لم يرتكب الفعل المجرَّم. وهنا يجب أن تكون هناك آليات واضحة لتصحيح الخطأ ومساءلة المسؤولين عن النظام، فضلاً عن غياب العدالة الإنسانية، حيث إن العدالة لا تقتصر على تطبيق النصوص القانونية بل تتطلب تقديراً إنسانياً لظروف كل حالة، فكاميرات المراقبة تسجل الحدث فقط لكنها لا تستطيع تقييم السياق أو الظروف التي قد تخفف أو تزيد العقوبة وهو دور أساسي للقاضي البشري (رجل المرور الذي منحه القانون سلطة قاضي جنح).
فضلاً عن عدم توفر ضمانات الدفاع وحق الاعتراض، حيث يجب أن يظل للمخالف الحق في الاعتراض أو الطعن على المخالفة المسجلة إلكترونياً حتى لا تتحول العقوبة الإلكترونية إلى قرار آلي يفتقر إلى الرقابة القانونية وعدم تحديد مدة الاعتراض بفترة معينة لتحقيق التوازن بين الكفاءة والحقوق، فالكثير من المواطنين يجهلون طريقة دخول المنصات الالكترونية للتبلغ بالعقوبة المرورية، وان البند ثالثا من المادة ٢٨ اشار الى مضاعفة الغرامة خلال ثلاثين يوم من تاريخ فرضها وليس من تاريخ التبلغ بها، أي أنه على الرغم من سرعة وفعالية العقوبات الإلكترونية إلا أنها يجب أن تظل خاضعة لمبادئ العدالة وحقوق الأفراد بما يحقق التوازن بين السرعة التقنية والعدالة القانونية.
وتعد كاميرات المراقبة المرورية نموذجاً واضحاً لكيفية استخدام التكنولوجيا لدعم تطبيق القانون وتحقيق العدالة من خلال دقة أكبر في تسجيل المخالفات وسرعة في اتخاذ الإجراءات وتقليل الأخطاء البشرية والفساد الإداري، ومع ذلك تظل التكنولوجيا محدودة في قدرتها على استبدال الحكم البشري لأنها لا تستطيع إدراك جميع الظروف الإنسانية والاجتماعية لكل حالة.
ويبرز من هذا المثال أن التكنولوجيا يجب أن تُستخدم كأداة مساعدة للعدالة لا كبديل عن القاضي أو المشرّع مع ضرورة وجود ضمانات قانونية صارمة مثل الحق في الاعتراض والطعن والرقابة القضائية لضمان تحقيق التوازن بين الكفاءة والعدالة وبين السرعة والدقة وبين التطور التقني ومبدأ الشرعية الجنائية.
وأخيراً يظهر أن التكنولوجيا إذا تم توظيفها بشكل قانوني ومدروس قادرة على تعزيز العدالة لكنها لا تستطيع أبداً أن تصبح البديل الكامل للقضاء البشري بل تبقى أداة تمكّن النظام القضائي من أن يكون أكثر كفاءة وإنصافاً.