مستقبل المنطقة بين المواجهة والتسوية

مقالات 09 May 2026
د. خالد قنديل

فى مشهد ممُل وطويل يتسم بالتناقض بين مؤشرات التهدئة والتصريحات بالتصعيد تتسارع التطورات العسكرية والسياسية بين واشنطن وطهران، حيث تتزايد التوقعات بقرب التوصل إلى تفاهم ينهى الحرب، فى الوقت نفسه الذى لا تزال مواقف الطرفين فيه تحمل قدرًا كبيرًا من الضغط المتبادل والحذر معًا، حيث هذا التقاطع بين المسعى السياسى ولكن بخطى يمكن وصفها بالعرجاء، وبين التحركات العسكرية، ليبقى المشهد العالمى والإقليمى راقصًا على الجمر دون استقرار مأمول خلال زمن قريب، وفى المساحة الرمادية بين اللاسلم واللا حرب.


وعلى مسار التناقض لا يزال الرئيس الأمريكى دونالد ترامب يخرج فى تصريحات صحفية مباشرة أو لقاءات، أو يكتب على حسابه فى منصة «تروث سوشيال»، أو المنصات الأخرى، مروجًا لقراراته العنترية التى تخضع دائمًا لمنطق البلطجة، ومحاولة فرض الأمر الواقع، دون فهم أو اعتبار لأعداء أو أصدقاء أو قوى كبرى، وتكثر التصريحات اليومية عن انتهاء الحرب مرة واستمرارها مرة، واقتراب التوصل إلى حلول تارة، أو من المبكر البدء فى عقد محادثات سلام مباشرة، ليخيب ترامب آمال واضعى التقارير التى تفيد بالاقتراب من التوصل إلى مذكرة تفاهم، من شأنها أن تخفض التوتر وتداعياته على المنطقة والعالم أجمع. فى هذه الأوقات المضطربة غير واضحة المعالم، يعمد الكيان المحتل، إلى مواصلة استفزازاته وانتهاكاته فى غزة والضفة الغربية والجنوب اللبنانى، متجاوزًا جميع الأعراف ومستندًا إلى الدعم الأمريكى، وقد أصدر الكيان خرائط جديدة لغزة جعلت آلاف النازحين الفلسطينيين داخل منطقة محظورة، ضمن حدود، قال جيش الاحتلال إن بإمكانه الاستمرار فى تغييرها.

مع مواصلة العمليات الميدانية والجوية فى لبنان، دون اعتبار لوقف إطلاق النار، بل إن رئيس الأركان إيال زامير، قد توعد باستهداف مناطق فى شمال نهر الليطانى وخارج «الخط الأصفر»، فضلا عن احتلال مناطق فى الجنوب. يتزامن مع ذلك البدء فى تنفيذ خطة ضخمة لتطوير القدرات العسكرية، بضم أسراب جديدة من طائرات «إف 15» و«إف 35» التى تنتجها شركتا «لوكهيد مارتن وبوينج» الأمريكيتان، للأسطول الجوى، بحجة التأهب لأى سيناريوهات من المواجهة المفتوحة مع إيران. غير أن شراء هذين السربين من الطائرات، هو فى الواقع خطوة أولى لخطة ضخمة باتجاه بناء قوة عسكرية إسرائيلية بتكلفة تصل إلى 350 مليار شيكل، بما يُعادل نحو 119 مليار دولار.

وعلى جانب أوضح من المشهد، يبقى مضيق هرمز ورقة ضغط استراتيجية، مرهونًا به بداية مستقبل الاستقرار الإقليمى، والقدرة المشفوعة بالنيات على الانتقال من منطق المواجهة إلى منطق التسوية، وقد صار الحديث عن المضيق واقعًا لابد أن يظل فارضًا لنفسه على المشهد الدولى، وطبيعيٌ جدًا أن يبقى محورًا أساسيًا فى أخبار الطاقة والأمن والسياسة دون أى انقطاع، وقد رأى جميع سكان الكوكب كيف أن هذا الممر البحرى واحدًا من أهم الممرات إن لم يكن الأكثر حساسية ونقطة قد تكون فاصلة فى معادلات الأمن الدولى وتوازنات الطاقة، فما بين السيطرة والحصار وحرية الملاحة مسافات مضطربة ومسرح يتهيأ لإعادة تشكيل النفوذ، ولكن وفق الرواية الأمريكية والإسرائيلية بصورة أوضح، حيث الخلل فى المفاهيم ومنها مفهوم الأمان وقد أكد ترامب امتلاك أمريكا السيطرة المطلقة على المضيق، مع فاعلية الحصار البحرى المفروض على إيران، مع وجود مسار آمن لضمان سلامة السفن، فى الوقت الذى تؤكد فيه طهران أن أى حديث عن مسار آمن هى ما تحدده هى، وغير ذلك من مسارات فى المضيق ليست آمنة.

وسط كل هذا التقاطع والتداخل والنيات الخبيثة للسياسة الأمريكية الصهيونية للاستيلاء على مقدرات المنطقة والتحكم بقبضة حديدية فى العالم شرقًا وغربًا، يبقى كثير من الأمل فى استمرار جهود الوساطة لخفض تشوه الصورة الغائمة بين الحرب واللاحرب، فى ظل قراءة واعية للمشهد، وباعتبارات أطماع أمريكا والكيان المحتل.