"هَبّة ديمغرافية" في العراق: ارتفاع سكاني كبير يعمّق التحديات

تقارير 11 May 2026
يدخل العراق مرحلة "الهبّة الديمغرافية"، حيث يشهد تزايداً كبيراً ومتسارعاً في عدد السكان، وفقاً لأرقام وبيانات حكومية.

في المقابل، لا يزال المشهد متعثراً على صعيد توزيع موارد البلاد وتوفير فرص العمل لهذه الأعداد المتنامية، لا سيما أن الغالبية تنتمي إلى فئة الشباب الذين ينتظرون فرصاً في القطاعين العام والخاص. وينذر هذا الواقع بظهور أزمة اقتصادية قد تواجهها الحكومات المقبلة، في ظل عجزها عن تحقيق حدٍّ أدنى من الاكتفاء الذاتي، الأمر الذي قد يفضي إلى مزيد من التعقيدات الاجتماعية في المستقبل.

وحذّر وزير التخطيط في الحكومة العراقية خالد بتال النجم، الأسبوع الماضي، من التحديات الكبيرة التي تواجه العراق مع اقترابه من مرحلة "الهبّة الديمغرافية"، في ظل النمو السكاني المتسارع وارتفاع أعداد القوى العاملة خلال السنوات المقبلة.

وقال النجم، خلال مشاركته في مؤتمر لمعالجة ظاهرتي البطالة والفقر في البلاد، إنّ "التقديرات تشير إلى وصول عدد سكان العراق إلى نحو 73 مليون نسمة بحلول عام 2050"، مؤكداً أن "ذلك يفرض ضغوطاً كبيرة على الدولة في ما يتعلق بتوفير فرص العمل واستيعاب الأعداد المتزايدة من الشباب".

وأضاف النجم أن "عدد الموظفين في العراق يقارب أربعة ملايين موظف، وأن 62% منهم يعملون ضمن الأجهزة الأمنية والعسكرية، فيما تعاني بقية مؤسسات الدولة من مشكلة "الكم لا النوع"، الأمر الذي يتطلب مراجعة حقيقية لطبيعة الوظائف وكفاءة العاملين، وأن هذه المرحلة تمثل فرصة مهمة لتشخيص مشكلات الفقر والبطالة ووضع حلول تستند إلى البيانات والإحصاءات الرسمية"، موضحاً أن "العراق دخل فعلياً مرحلة الهبّة الديمغرافية، وهي المرحلة التي ترتفع فيها نسبة السكان ضمن سن العمل مقابل انخفاض نسبة الفئات المعالة، فضلاً عن محدودية قدرة القطاع العام على التوظيف التي تجعل من الضروري البحث عن بدائل اقتصادية وتنموية قادرة على استيعاب الأعداد المتزايدة من القوى العاملة".

وفي شباط العام الماضي، أظهرت نتائج التعداد السكاني في العراق أن عدد السكان تجاوز 46 مليون نسمة، فيما بلغت نسبة النمو السكاني 2.5%، مع وصول عدد الأفراد ضمن الفئة العمرية بين 15 و64 عاماً إلى أكثر من 27 مليون نسمة، بنسبة 60.4% من إجمالي السكان، فيما توقعت وزارة التخطيط ارتفاع عدد السكان إلى 50 مليون نسمة بحلول عام 2030، مع احتمال أن يرتفع العدد إلى 80 مليون نسمة بحلول العام 2050.

ويحدث هذا في ظل أزمات خانقة لم تنته منذ الغزو الأميركي للعراق عام 2003، أبرزها أزمات السكن والبطالة، في ظل تحذيرات من استمرار اعتماد العراق على النفط مورداً رئيسياً للبلاد وبنسبة تتجاوز 96% من الواردات الوطنية السنوية.

في هذا السياق، قال محمد عنوز، وهو عضو سابق في البرلمان العراقي، إنّ "الارتفاع الكبير في أعداد سكان العراق يعني بالضرورة أن تكون لدى الحكومات المقبلة خطط لاستيعاب هذه الأعداد المليونية التي تطالب بالخدمات وفرص العمل، وخصوصاً أن معظم الزيادة السكانية لو دققنا فيها، سنجدها في مناطق تعد الأفقر أو ما تُعرف بالمنكوبة خدمياً، بالتالي فإن التحديات كبيرة إذا استمرت الحكومات بإهمال أو التغافل عن هذا الملف"، مشيراً إلى أن "الشباب في الوضع الحالي يطالبون بفرص العمل في القطاعين الحكومي والخاص، فكيف إذا تضاعف عدد الشباب، حيث لن تتمكن الحكومات من التعامل مع أعداد هائلة باحثة عن العمل، وهي القوة نفسها التي قد تتظاهر وتحتج وتقطع الشوارع".

وأضاف عنوز، أن "التعليق الأخير لوزير التخطيط يشرح توجه الدولة بشكلٍ كبير لتعيين العراقيين في السلك الأمني والعسكري، وبصراحة لا نعرف لماذا اتجهت الحكومات إلى هذا الأمر، فهل نحن محتاجون إلى هذا العدد الكبير من الشرطة والجيش والمقاتلين، لا سيما ونحن لسنا في مرحلة خطر أمني، أم لغياب وجود القطاعات التنموية التي من المفترض أن يتجه إليها الشباب"، معتبراً أن "الحكومات الناجحة عادة ما تستثمر بالزيادة السكانية من ناحية تنويع الاقتصاد وتطوير القطاعات غير النفطية لخلق فرص عمل جديدة، والبدء بإنشاء المصانع والمعامل، أما الحكومات الفاشلة فعادة ما تؤسس لبيئة طاردة تجعل من الشباب عمالة أجنبية في الخارج".

من جهتها، قالت الباحثة الاجتماعية العراقية إسراء عباس إن "أعداد الموظفين في دوائر ومؤسسات الدولة العراقية الرسمية تتجاوز أربعة ملايين عراقي، ما يعني أنّ 10% من المجتمع العراقي ترتبط معيشتهم بالدولة، وهذه النسبة كبيرة إذا ما أجرينا مقارنة ومقاربة مع دول متطورة وناجحة، لكن هذا التفكير سواء من الدولة أو المجتمع هو السليم حالياً، لأن الحكومات فشلت في تعميم الضمان الاجتماعي للقطاع الخاص ما دفع العراقيين إلى الاحتماء ضمن جسد الدولة، ولو أنها اتجهت إلى تعميم الضمان الاجتماعي والصحي في مؤسسات القطاع الخاص، لتغير الوضع"، مؤكدة، أن "الزيادة السكانية يمكن استثمارها في تنويع الاقتصاد وتحديداً في الزراعة والصناعة".

وأشارت عباس إلى أنّ "الزيادة الحالية والمقبلة سترهق خزينة الدولة إذا بقي العراق ضمن خانة الدول الريعية التي تعتمد على مادة واحدة فقط لتسيير وضعها الاقتصادي، فبقاء العراق مرهوناً لبرميل النفط له عواقب سلبية وخطيرة قد تؤدي إلى سقوط أنظمة وليس نظاماً واحداً"، مستكملة حديثها بأن "استمرار النمو السكاني دون خطط للتنمية المستدامة في البلاد، سيؤدي إلى الضغط الكبير على الموارد مثل المياه والطاقة، كما سيؤدي إلى تقليل حصة الفرد في الخدمات الصحية والتعليمية، بالتالي فإن التعجيل بتنمية القطاعات غير النفطية بات من أهم المشاريع التي من المفترض أن تتجه لها الحكومة".

وسبق أن أظهرت بيانات غربية أنّ العراق حلّ ضمن قائمة أسرع الدول العربية من حيث معدلات النمو السكاني خلال عام 2026.

وبحسب البيانات، فقد تصدّرت سورية القائمة بأعلى معدل نمو سكاني عربي بلغ 3.33%، تلتها الصومال ثانية بنسبة 3.31%، ثم سلطنة عُمان ثالثة بمعدل 3.22%، وجاء السودان في المرتبة الرابعة بنسبة 3.14%، تلاه اليمن في المرتبة الخامسة بمعدل 2.84%، ثم حلت موريتانيا سادسة بنسبة 2.75%.

وحلّ العراق في المرتبة السابعة عربياً بمعدل نمو سكاني بلغ 2.1%، تليه الإمارات ثامنة بنسبة 2.02%، وجاءت البحرين في المرتبة التاسعة بمعدل نمو بلغ 1.96%، فيما حلّت قطر عاشرة بنسبة 1.85%.



المصدر: العربي الجديد