الطبقة السياسية في العراق.. ديماغوجية الخطاب وأوليغارشية الحكم
محاولة إرساء النظام السياسي الديمقراطي في الدول ذات الحكم الأستبدادي أمر صعب جداً، نتيجة الظروف التاريخية والبيئة السياسية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية التي نشأ عليها الفرد داخل المجتمع، والمجتمع العراقي شأنه شأن المجتمعات الشرقية والعربية التي تسود بنيتها تلك النزعة الأبوية الطاغية والحاكمة في مجالات السياسة والأسرة والمجتمع، وليس من السهل أقتلاع تلك الجذور الراسخة في بيئته وبنيته، من حيث التنشأة والتربية والسلوك والأعتقاد، ومحاولة زرع بدائل سياسية، ثقافية وفكرية، أمر في غاية الصعوبة، لأن الفرد بهذه الحالة يعيش نمطين من السلوك والأفعال، أحدهما يناقض الآخر، فعل تربى عليه يحمل صبغة أبوية دكتاتورية ضاغطة، وفعل مطلوب منه إجتماعياً وسياسياً أن يفعله، من خلال المنظومة السياسية التي تتشكل وفقها الدولة، والنظام السياسي الديمقراطي في العراق الجديد ما بعد التغيير 2003 جاء وفق مقاسات غربية غريبة عن واقعنا وسلوكنا ومعتقداتنا وروح مجتمعنا، ديمقراطية مخلخلة أو هجينة ذات ألوان متعددة، يمكن تسميته بـ(الدكتوقراطية)، لما تحمله من وجوه متعددة في وجه واحد، فلم ننعم بالديمقراطية وفق محتواها الثقافي والفكري والسياسي والاجتماعي بأكمل صورها، فهي في العراق نمط صوري وشكلي من الديمقراطية تقتصر على الأنتخابات وصندوق الاقتراع والتمثيل البرلماني فقط، بل وحتى هذا الأمر الشكلي البسيط تم تشويهه وتزييفه وتحريفه عن مساره الصحيح، من خلال محاولات الألتفاف والتحوير والتزوير التي يقوم بها الساسة والأحزاب والكيانات بين فترة وأخرى بما يتناسب ومقاساتهم الحزبية المصلحية الضيقة، تحت مظلة قوانين وأنظمة دستورية وقانونية وشرعية مصاغة لهم في مطابخ سياسية داخلياً وخارجياً.
حين يحل موعد انتخابات كل دورة برلمانية يرفع القادة والممثلين والسياسيين خطابات وشعارات وهتافات وطنية وخدمية وجماهيرية تعبوية تدعو الشعب للخروج للانتخابات وبيان اهميتها وقيمتها في النهوض بالبلد وتحقيق سيادته وريادته بين الدول، ولكن مما يؤسف له في كل مرحلة انتخابية يُتخذ نفس السلوك السياسي الذي اعتاد عليه المواطن العراقي، اجتماعياً سياسياً، وعود كاذبة وواقع مزري وخدمات بائسة وخطاب سياسي معسول وهذا ما أسس لخطاب سياسي (ديماغوجي)، يوهم الشعب بالنظام والعمل والاصلاح ويتخذه وسيلة ومطية للوصول إلى الحكم، وهذا حالنا طوال عقدين من الزمن من عمر الدولة العراقية الأخيرة وبتعاقب الحكومات الحاكمة، ولا نلاحظ أي تغير بنيوي كبير بين الماضي والحاضر، قياساً بواقع الدول المجاورة للعراق والدول الناهضة، وقياساً بحجم العراق التاريخي والثقافي والحضاري، واقع لا يليق بالعراق والعراقيين، وهذا إن دل على شيء فإنه يدل على أن التناقضات تحيط بالعراقيين من كل مكان، وأشدها هو ما نعيشه من نمط سلوك تربوي واجتماعي وبين نظامنا السياسي المنبثق من ذلك النمط الأبوي والذي يدّعي الديمقراطية، وخير دليل على ذلك هو واقعنا الراهن، الذي ينبأك عن نمط سياسي (ديماغوجي)، ذو خطاب إصلاحي وطني تعبوي، متحول نحو الـ(أوليغارشية)، بيد أصحاب الثروة والملكية والتجار، وهو نمط متداخل ومتشابك فيما بينهما، وإنتاج نوع سياسي هجين متكون منهما يمكن تسميته (ديماغارشي)، والذي نلاحظه طوال التاريخ هو هيمنة الطبقة السياسية على مقدّرات الدولة واستغلال سلطتها أبشع الاستغلال بما تمتلك من أدوات الحكم والقمع والسيطرة، وما أفرزه واقعنا الراهن ليس بجديد عن السابق بل يمكن القول انه فاقه بكثير، فمن أدّعى الكفاح والنضال والجهاد ضد الطاغية والحكم السابق في سنوات المنفى أو التهجير فقد قبض ثمنه أضعاف مضاعفة من الأموال والجاه والسلطة والنفوذ، ولم يكن في نفوسهم غير النزعة الديماغوجية التي صاغوها في خطاباتهم السياسية، وتكوين طبقة أوليغاراشية ذات نفوذ مطلق، بأموال وثروات فاحشة قادت البلد الى الحضيض والأزمات والمحن، فلم تختلف الغايات والأهداف رغم أختلاف أدوات الحكم.
فقد صعدت هذه الطبقة السياسية، بمختلف مكوناتها وأحزابها وطوائفها، على أكتاف الشعب وسخرّت كل طاقاتها لنهب أكبر ما يمكن نهبه وسرقته من قوت الشعب، ونسوا تماماً الحالة السابقة التي كانوا عليها في المنافي والدول، وتخلوا عن جميع مبادئهم الحزبية والدينية والسياسية المثالية التي حاربوا وناضلوا الطاغية من أجلها، ومن كان يناضل ويكافح سياسياً وعسكرياً في الأمس يحتاج الى من يكافحه اليوم، ومنطق التاريخ والحكم والسياسة والعقل يشير جيداً الى إنه لكل بداية نهاية، ولكل جماعة أو سلطة مهما طغت وتفرعنت فزوال حكمها آت لا محال، لأنها تحمل شهادة وفاتها، ونهاية أمرها، لخيانة شعبها ومبادئها وضميرها، حين فقدوا المصداقية، ونصبوا وأحتالوا على الشعب، وصاروا تجار سياسة (طبقة أوليغاريشية)، وباعوا الوطن والمواطن بثمن بخس، وخربوا البلد وتقاسموا ثرواته فيما بينهم دون مراعاة لأي قانون أو أخلاق أو دستور.
وينبغي الأنتباه لذلك من قبل الساسة والأحزاب فلا يدوم شيء أبداً، وكما قيل لو دامت لغيركم لما وصلت أليكم، فهل أنتم منتبهون ومنتهون أم ستؤول نهايتكم كما كانت نهاية من حكم قبلكم؟ قال تعالى: “وتلك الأيام نداولها بين الناس”.