قراءة توثيقية في واقع الثروة الحيوانية بكربلاء (1976-2008)
و"واحة الفرات الأوسط" نظراً لوفرة تفرعاتها المائية ونمو قطاع التنمية الحيوانية فيها كركيزة أساسية للأمن الغذائي.
وفي إطار السعي العلمي المستمر لـ مركز كربلاء للدراسات والبحوث في العتبة الحسينية المقدسة، لتوثيق المسارات الاقتصادية والاجتماعية للمدينة، نسلط الضوء في هذا التقرير المستند إلى الأطاريح والرسائل الجامعية الرصينة، على التحولات الحادة والمشاكل البنيوية التي واجهت قطاع الثروة الحيوانية في كربلاء على مدى اثنين وثلاثين عاماً (1976-2008).
أولاً: المحددات البيئية والمائية واختلال الاستقرار الجغرافي
• تجمع الدراسات الجغرافية والزراعية الصادرة عن الجامعات العراقية على أن العوامل الطبيعية لعبت دوراً حرجاً في تقييد نمو القطاع الحيواني بكربلاء خلال فترة الدراسة؛ بفعل التغيرات المناخية المبكرة وشح المياه الارتوازية والمطيرية:
• تراجع جودة الموارد المائية: شهدت جداول المحافظة (الحسينية وبني حسن وقنوات الهندية) تذبذباً حاداً في مناسيبها، مما أدى إلى ارتفاع نسب الملوحة وتملح التربة في المناطق المحيطة بمركز المدينة وقضاء الحر، وهو ما انعكس طردياً على انحسار الغطاء النباتي والمراعي الطبيعية الدائمة.
• تدهور القيمة الغذائية للمراعي: هذا التراجع البيئي قاد إلى انخفاض المساحات الرعوية الحرة للماشية، مما اضطر مربي الأغنام والماعز إلى الهجرة الداخلية نحو أطراف البادية أو الاعتماد على بدائل علفية فقيرة بالبروتينات والعناصر الأساسية.
ثانياً: التبعات الاقتصادية للحظر الشامل (1990-2003)
• تمثل حقبة التسعينيات المنعطف الأكثر صعوبة في تاريخ التنمية المستدامة في العراق والفرات الأوسط. فقد ألقى الحصار الاقتصادي بظلاله القاتمة على البنية التحتية الطبية والخدمية لقطاع البيطرة في كربلاء:
• أزمة الأعلاف المركزة: وثقت البحوث الاقتصادية توقف خطوط استيراد المكونات العلفية الأساسية (كفول الصويا والذرة الصفراء). هذا الانقطاع أدى إلى انهيار شبه كامل في قطاع الدواجن (المفاقس وحقول الدجاج البياض واللاحم) في المحافظة نتيجة ارتفاع كلف التربية وغياب المدخلات الصناعية المحسنة.
• تقويض الرعاية الصحية الوقائية: عانت "شعبة البيطرة" التابعة لمديرية زراعة كربلاء آنذاك من شحة قاسية في اللقاحات السيادية والمستلزمات الطبية التي كانت توزع بآليات مركزية محدودة؛ مما حد من قدرة الملاكات الميدانية على إجراء المسوحات الوبائية الاستباقية وتسبب في انتشار بعض الآفات الحيوانية والطفيليات الخارجية.
ثالثاً: التحديات الأمنية والهيكلية في مرحلة التحول (2003-2008)
أفرزت مرحلة ما بعد عام 2003 جملة من التحديات الهيكلية المباشرة التي أثرت على استمرارية ونمو هذا القطاع الحيوي:
• الانفتاح غير المنضبط والمخاطر الوبائية: غياب الفحص الحجري الدقيق على الحدود في تلك الفترة أتاح دخول سلالات حيوانية ومنتجات غير مفحوصة، مما شكل عبئاً وبائياً إضافياً على العيادات والمستوصفات البيطرية في المحافظة.
• الاضطرابات وتأثيرها على الحركة الرعوية: أثرت عدم الاستقرار الأمني وصعوبة التنقل بين عامي 2005 و2007 على حركة مربي الماشية (الرعاة المتنقلين) في مناطق كربلاء الغربية (عين التمر ومحيطها)، وصعّبت وصول الفرق البيطرية الجوالة إلى أطراف القرى والأرياف النائية لتقديم خدمات التحصين المجاني.
الهيكل الإحصائي للثروة الحيوانية في المحافظة (قراءة تحليلية)
• تبين الأرقام والبيانات الإحصائية المسجلة في الدراسات الأكاديمية طبيعة التوزيع والتأثر خلال تلك المدة:
• المجترات الصغيرة (الأغنام والماعز): ظلت تشكل النسبة العددية الأكبر في المحافظة، لاسيما في قضاء الحر والمناطق شبه الصحراوية، غير أنها عانت من تدني كفاءتها الإنتاجية (لحوماً وصوفاً) بسبب سوء التغذية ومحدودية الدعم الطبي.
• الأبقار والجاموس: تركزت حيازاتها في المناطق الكثيفة زراعياً والمحاذية للأنهار (الهندية والحسينية)، إلا أن إنتاجيتها من الحليب ظلت دون الطموح نتيجة لغياب برامج التلقيح الاصطناعي وإدخال السلالات العالمية عالية الإنتاج (كالهولشتاين) والتي لم تدخل بشكل منهجي إلا في السنوات الأخيرة اللاحقة لعام 2008.