من العجز المزمن وضخامة الرواتب إلى حصار الدولار والاستثمار.. من يملك مفتاح الخلاص؟
في المقابل، يدعو البنك المركزي العراقي، الذي يعترف بالأزمة، إلى الاعتماد على “موازنة البرامج”، مؤكداً استقرار سعر الصرف وقدرة الدولة على الوفاء بالالتزامات والرواتب.
عجز مزمن وديون متصاعدة
ويقول الخبير الاقتصادي عبدالرحمن المشهداني، إن ”العراق خلال السنوات العشرين الماضية كان يسجل عجوزات مخططة في الموازنات تنتهي غالبا بفوائض، باستثناء أعوام محددة، لكن العجز المزمن والحقيقي ظهر في أعوام 2023 و2024 و2025 و2026”، متوقعا أن “عدم القدرة على إيقاف العجز في موازنات الدولة العراقية سيستمر خلال السنوات العشر المقبلة”.
ويحذر من أن ”التوسع في الإنفاق التشغيلي والتعيينات الحكومية والاعتماد شبه الكامل على الإيرادات النفطية يدفع الاقتصاد العراقي نحو ضغوط مالية متزايدة، قد تفرض الاقتراض كخيار مستمر لتمويل الالتزامات والنفقات”، مؤكداً أن “هذا التقدير لا يستند إلى الانطباعات، وإنما إلى توجه الموازنة العامة والإنفاق الفعلي، كما أن صندوق النقد الدولي نشر دراسة خلال عام 2024 بشأن المديونية العراقية، تحدثت عن تصاعد الدين العراقي خلال السنوات الخمس المقبلة، وصولاً إلى نحو 275 مليار دولار بحلول عام 2029″.
100 تريليون دينار للرواتب
ويوضح المشهداني، أن “الدين الداخلي يقترب من 102 إلى 103 تريليونات دينار، إلى جانب دين خارجي يبلغ نحو 14 مليار دولار، ما يعادل تقريبا 130 تريليون دينار أو نحو 100 مليار دولار، رغم أن البلاد ما زالت في بدايات الأزمة”.
ويؤكد، أن ”السبب الأساسي يعود إلى التوسع في الإنفاق التشغيلي، ولا سيما في ملف الرواتب والأجور والتعيينات التي حصلت خلال أعوام 2023 و2024 و2025، والتي رفعت الإنفاق الحكومي بشكل كبير”، مبيناً أن “تخصيصات الرواتب ارتفعت من 41 إلى 42 تريليون دينار خلال أعوام 2019 و2021، إلى أكثر من 70 تريليون دينار حالياً، مع زيادة أعداد الموظفين بأكثر من مليون و550 ألف موظف، بينهم مليون و70 ألف تعيين ضمن موازنة 2023، إلى جانب 480 ألف تعيين خلال عامي 2024 و2025”.
ويردف، أن ”مجموع الرواتب والأجور ورواتب المتقاعدين والحماية الاجتماعية يقترب من 100 تريليون دينار، بما يشكل نحو 60 إلى 66 بالمئة من النفقات العامة للدولة”، معتبراً أن “هذا الرقم مرعب، لكن الحكومات والبرلمان لا يجرؤون على تقليل الرواتب أو تقليص التوظيف”.
ويلفت الأكاديمي والخبير الاقتصادي إلى ”وجود ضغوط نيابية مستمرة باتجاه التعيينات، حيث أن أكثر من 200 نائب وقعوا على مطالبات بتعيين الأوائل والخريجين والمهن الصحية وحملة الشهادات والخريجين القدماء، الأمر الذي يفاقم الالتزامات المالية”.
وأعلن محافظ البنك المركزي العراقي علي العلاق، الخميس (20 أيار 2026) عن تحول عجز الموازنة العامة من “عجز مخطط” إلى “عجز فعلي ومزمن”، معتبراً أن ذلك يعكس خللاً في بنية الاقتصاد العراقي بسبب الاعتماد الكامل على إيرادات النفط، فيما أشار إلى أن البلاد قد تلجأ إلى الاقتراض الخارجي لتغطية العجز وتمويل متطلبات التنمية، بعد وصول قدرة المصارف الحكومية على الإقراض إلى حدودها القصوى.
وفي ملف الموازنة، دعا العلاق، في تصريح صحفي، إلى تضمين الموازنة الاتحادية أهدافاً اقتصادية وتنموية واضحة، مجدداً دعوة البنك المركزي السابقة لاعتماد “موازنة البرامج” بدلا من الصيغ التقليدية، بهدف رفع كفاءة الإنفاق وتحقيق نتائج اقتصادية ملموسة.
وفي جانب إدارة الأموال، أوضح العلاق أن عائدات النفط العراقي تودع بالدولار مباشرة في حساب وزارة المالية لدى بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك، ثم تحول خلال 24 ساعة إلى حساب البنك المركزي العراقي، مبيناً أن البنك يعمل على إدارة الاحتياطيات عبر الاستثمار بالسندات والذهب وبنوك أخرى لتحقيق أرباح.
وفي ما يتعلق بسعر الصرف، شدد محافظ البنك المركزي على عدم وجود أي توجه حكومي لتغييره، مؤكداً أن السياسة النقدية الحالية تركز على الحفاظ على الاستقرار المالي والنقدي وتعزيز الثقة بالاقتصاد الوطني، إلى جانب دعم استقرار السوق والسيطرة على مستويات السيولة والتضخم.
3 إلى 6 أشهر بعد فتح هرمز
وبشأن مسار الاقتراض، يرجح المشهداني، أن يبقى مفتوحاً، لأن الإيرادات غير النفطية حتى مع تحسنها إلى 20 تريليون دينار، لا تكفي لتغطية الرواتب والأجور التي تحتاج إلى أكثر من 8 تريليونات دينار شهرياً، ما يعني وجود فجوة تمويلية مستمرة.
ويؤكد، أن ”العراق يحتاج إلى نحو 10 تريليونات دينار شهرياً إذا كان متقشفاً جداً، ومع ضبابية المشهد الإقليمي، وإمكانية استمرار أزمة مضيق هرمز، قد تضاعف الضغوط الاقتصادية”.
ويشير إلى أن ”إعادة فتح مضيق هرمز لا تعني عودة الأوضاع إلى طبيعتها مباشرة. والعراق قد يحتاج من 3 إلى 6 أشهر لاستعادة مستويات الإنتاج السابقة، فضلاً عن إعادة الشركات الأجنبية التي غادرت بعد تعرض حقول نفطية إلى استهدافات”.
ويضيف، أن ”العراق قد يواجه صعوبة في استعادة حصته السوقية، بعد أن اتجهت دول منتجة أخرى إلى سد الفراغ في الأسواق العالمية، ما قد يضطر بغداد إلى تقديم خصومات تنافسية لاستعادة زبائنها”.
المنطقة الخضراء للدين الخارجي
ويرى الخبير المشهداني، أن ”الدين الداخلي يبقى أقل خطورة لكونه تحت سيطرة الحكومة ويتركز لدى مصرفي الرافدين والرشيد والبنك المركزي، فيما تبقى المخاطر الأكبر مرتبطة بالدين الخارجي، بسبب إلزامية تسديد الفوائد والأقساط ضمن الجداول الزمنية المحددة”.
ويستدرك، أن ”العراق ما زال ضمن المنطقة الخضراء في الدين الخارجي، إذ يبلغ نحو 14 مليار دولار، إلا أن مستوى الخطر يبدأ بالتصاعد إذا تجاوزت المديونية الحدود الآمنة قياساً بالناتج المحلي الإجمالي”، مبيناً أن ”الحفاظ على الاستقرار المالي يتطلب إصلاحات اقتصادية حقيقية تقلل الاعتماد على النفط وتحد من تصاعد الإنفاق التشغيلي”.
ويعتقد، أن ”أزمة العراق الحالية قصيرة الأجل وآنية ، إلا أن الصورة تختلف على المدى البعيد”، مبيناً أن ”إعادة هيكلة الاقتصاد والانتقال من الاعتماد على النفط إلى قطاعات الصناعة والزراعة والسياحة والخدمات تحتاج إلى فترة لا تقل عن 10 إلى 15 عاماً، في حال وجود نوايا صادقة وجدية وتقديم تسهيلات للمستثمرين ورجال الأعمال”.
18 دائرة حكومية قبل الاستثمار
وبشأن واقع الاستثمار في العراق، يذكر المشهداني أن ”العراق حتى الآن لا يمتلك القدرة الكافية لاستقطاب الاستثمارات بالشكل المطلوب، فالمستثمر يحتاج للحصول على موافقات من 17 إلى 18 دائرة حكومية، وقد تستغرق الإجراءات بين سنتين إلى ثلاث سنوات قبل الحصول على إجازة تأسيس المشروع”.
ويواصل، أن “المصارف المحلية أيضاً لا تقدم التمويل الميسر الكافي، إلى جانب غياب التراكم الإداري والفني بسبب تغير الحكومات والوزراء بشكل متكرر، ما يضعف استمرارية الخطط الاقتصادية”.
وينبه إلى أن ”تقارير الاستثمار العالمية تظهر أن الأموال الخارجة من العراق تفوق الداخلة إليه خلال السنوات الممتدة من 2013 وحتى 2025″، معتبراً أن ”الحديث عن إعادة هيكلة الاقتصاد والاعتماد على القطاعات غير النفطية بات من الأحلام التي يجري تكرارها، بسبب غياب الإرادة السياسية وتعقيدات الواقع الاقتصادي”.
ويشير إلى “تراجع العاملين في القطاع الزراعي إلى نحو 1 بالمئة حالياً، مقارنة بنحو 30 بالمئة سابقاً. بسبب التحول نحو الوظيفة الحكومية والقطاع الأمني الذي ساهم في إضعاف القطاعات الإنتاجية”.
صندوق مالي سيادي
ويشدد المشهداني على ”أهمية إنشاء صندوق سيادي، فالعراق كان يمكنه منذ عام 2021 توجيه نسبة 3 بالمئة من الإيرادات النفطية، التي كانت تذهب سابقاً لتعويضات الكويت، نحو صندوق سيادي يوفر احتياطيات واستثمارات طويلة الأمد”.
ويرى، أن ”الصندوق كان بإمكانه تكوين أصول مالية تتجاوز 20 مليار دولار خلال سنوات قليلة، بما يوفر عوائد ويقلل الحاجة إلى الاقتراض، شريطة أن يدار من خبراء متخصصين بعيدا عن المحاصصة السياسية”.
ويختتم المشهداني حديثه بالتأكيد، على أن ”العراق بحاجة إلى إصلاحات اقتصادية وهيكلية عميقة لمنع تكرار الأزمات مستقبلاً، وتقليل الاعتماد على النفط، وبناء اقتصاد أكثر تنوعا وقدرة على مواجهة المتغيرات”.
وطمأن محافظ البنك المركزي، في تصريحه الصحفي المشار إليه سابقاً، المواطنين بشأن ملف الرواتب، بعدم وجود مخاوف تتعلق بقدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها المالية، رغم التحديات الاقتصادية الحالية، مشيراً إلى أن العراق يمتلك الإمكانات الكافية لتجاوز الظروف الراهنة عبر حزمة إجراءات وإصلاحات اقتصادية.
وفي سياق الحلول، شدد العلاق على أهمية تحويل النفقات إلى إنتاجية وتوسيع القاعدة الاقتصادية، مشيراً إلى أن العراق يمتلك ثروات كبيرة في مناطق مختلفة، كما نفى وجود مشكلة لدى البنك المركزي في تغطية حاجة السوق من الدولار، مؤكداً أن جميع عمليات التحويل تخضع للرقابة.
وختم العلاق بالتأكيد أن العراق يمتلك حلولاً طويلة الأجل، ويمكنه استقبال استثمارات كبرى، داعياً إلى تنظيم ملف الجباية في جميع مفاصل الدولة وتحويله إلى مورد داعم للموازنة الاتحادية، بما يعزز قدرة الاقتصاد على مواجهة الأزمات مستقبلاً.