الاقتصاد الموازي حين يتحول من ظلّ الدولة إلى مالكها
بين الموازنات الانفجارية، والضياع العام للثروة الوطنية، والانفلات الرقابي على المال العام، والارتخاء الواضح في المفصل القضائي، يبدو أن عوائل السلطة المسيطرة على الأحزاب تصنع مشهداً غير مسبوق في تاريخ العراق.
مولات، مطاعم، جامعات أهلية، مدارس أهلية، مستشفيات أهلية، مجمعات سكنية أهلية، واتجاه رأسمالي محموم، وتعجيل لا يشابهه تعجيل في كثير من دول العالم ضمن سباق رأس المال.
كل ذلك يجعل المرء يعتقد أن العراق يتسلق سلماً ما.
لكن ليس المهم أنه يتسلق، بل إلى أين يقود هذا السلم؟
العراق، إذا استثنينا فترة السبعينيات، كان دائم السقوط في خطه البياني في سلم التقدم النسبي، حتى بالمقارنة مع دول كانت أفقر منه. والمفارقة التي تستحق التأمل أن تلك المرحلة الاستثنائية جاءت ضمن نموذج اقتصادي مختلف عن هذا الاندفاع الليبرالي الذي يُطرح اليوم بوصفه طريق الخلاص.
هذه الازدواجية في تشكل طبقة رأسمالية تمتلك هذا الكم الهائل من المؤسسات والتي انبثقت بصورة مفاجئة من تحت رماد الحصار وما بعد 2003 ليست دليلاً تلقائياً على النجاح الاقتصادي، بل قد تكون عملية تسلق خادعة.
تسلق لا يقود إلى القمة، بل إلى الهاوية.
المشكلة ليست في القطاع الخاص، ولا في الرأسمالية بوصفها نظاماً اقتصادياً، وإنما في طبيعة رأس المال الذي نشأ.
كيف تستطيع دولة ريعية لا تمتلك سوى النفط والمواد الخام أن تنتج رأسمالية ذكية؟
وكيف تستطيع رؤوس أموال نشأت من المال السياسي أن تدير ظهرها عن استحلاب هذا المال السهل المصدر لكي تشق طريقها نحو اقتصاد معرفة وصناعة وتكنولوجيا؟
كيف يمكن لها أن تصنع لنا وادي سيليكون في صحراء النجف وهي لم تُختبر أصلاً خارج ظل الدولة؟
الأكثر خطورة أن هذا المال السياسي لم يتشكل عبر تنافس اقتصادي طويل، بل عبر منظومات ترى أن أكثر ما يهددها هو الإنسان الذكي والنزيه؛ لأن الذكاء يصنع الاستقلال، والاستقلال يهدد الاحتكار.
وهنا يتحول الاقتصاد إلى ما يشبه لعبة الشطرنج. لكن جندي الشطرنج لا يصنع اللعبة. هناك من يحدد له الحركة، ويحدد الرقعة التي تقع فيها اللعبة، ويحدد زمن اللعبة أيضاً.
فكيف يمكن لجندي يتحرك داخل حدود مرسومة أن يخلق لنا اقتصاداً يشبه بورصات العالم التي جنّدت عبر قرون أذكى العقول وأشد المؤسسات تعقيداً؟
إن التحول من الاشتراكية إلى الليبرالية لا يتم بالشعارات، ولا يتم داخل اقتصاد منهك يوازيه اقتصاد آخر تملكه عوائل الطبقة الأوليغارشية.
فالذي نشأ خلال العقدين الماضيين لم يعد مجرد فساد أو سوء إدارة، بل اقتصاد موازٍ للدولة.
وهذا هو جوهر المشكلة.
لأن الاقتصاد الموازي الذي بنته الأحزاب منذ السقوط وحتى هذه اللحظة لا يمكن العبور فوقه لإنقاذ العراق بسهولة؛ لأنه يمتلك القدرة على ابتلاع أي تغيير وتحويله إلى جزء من مصالحه.
إن أخطر الأوهام ليس وهم الانهيار، بل وهم الازدهار.
أن يرى الناس الأبراج ولا يروا القاعدة التي تحملها. أن يروا المولات ولا يسألوا عن مصدر الرساميل. أن يروا الحركة ولا يسألوا عن الاتجاه. فقد لا يكون ما نراه انتعاشاً اقتصادياً، بل صورة خادعة لصعود يشبه التسلق…تسلقاً نحو الهاوية.
لكن يبدو أن المشهد بدأ يدخل مرحلة مختلفة. اذ ان هناك مؤشرات على أن الدولة بدأت، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، بفتح ملفات تمس الاقتصاد الموازي الذي تشكل خلال العقدين الماضيين. وتظهر اليوم قضايا كبيرة يجري تداولها بوصفها بداية الاقتراب من مناطق كانت حتى وقت قريب خارج المساءلة، ومنها القضية التي تُعرف إعلامياً بقضية (الجميلي).
ولا يهم هنا اسم القضية بقدر ما يهم معناها السياسي والاقتصادي. فإذا كانت المرحلة الماضية قد شهدت تشكل اقتصاد ظلّ ضخم خارج الدورة الطبيعية للدولة، فإن المرحلة المقبلة قد تشهد صراعاً على من يملك حق استعادته ومن يقرر مصيره.
وهنا أريد أن أضع نقطة واضحة أمام الشعب العراقي:
إن استعادة المال السياسي أو الأموال المنهوبة – إن حدثت – لا تعني بالضرورة عودتها إلى الشعب أو دخولها في مشروع وطني لإعادة بناء الدولة.
فالمال حين يغادر قبضة قوة، لا يعود تلقائياً إلى المجتمع، بل قد ينتقل إلى قبضة قوة أخرى إن لم توجد إرادة شعبية قادرة على فرض قواعد جديدة لإدارته.
ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس: من سيستعيد هذه الأموال؟ بل: لمن ستعود؟
إذا بقي الشعب متفرجاً على إعادة توزيع الثروة بين مراكز النفوذ، فإن العراق لن يكون قد خرج من الاقتصاد الموازي، بل سيكون قد انتقل من اقتصاد ظل إلى اقتصاد ظل أعمق.
أما إذا أراد العراقيون تغييراً حقيقياً، فإن القضية لا تتعلق باستبدال اللاعبين، بل بتغيير قواعد اللعبة نفسها؛ استعادة الدولة، واستعادة الرقابة، واستعادة الحق العام بوصفه ملكاً للمجتمع لا غنيمة لمن ينتصر.
لأن السلم الذي صُنِع للعراق خلال السنوات الماضية لم يكن يقود إلى الأعلى دائماً.
وربما آن الأوان ليس لتغيير المتسلق…بل لكسر السلم نفسه.