عْاشُورْاءُ.. السَّنَةُ الثَّالِثةَ عشَرَة - معنى الإِنتماءِ

مقالات 19 June 2026

لتوضيحِ فكرةِ المُعادلةِ الثُّلاثيَّةِ في العلاقةِ بينَ الهويَّةِ والمنهجِ والإِلتزامِ دعُونا نضرِبُ المثَل التَّالي الذي يعرِفهُ وتعايشَ معهُ كُلُّنا؛

  فإِذا كنتَ تحمِلُ إِجازة السَّوق يلزمكَ كذلكَ أَن تعرفَ قوانينَ وقواعدَ المرُور ثمَّ عليكَ أَن تلتزمَ بها وتتَّبعَها وتُطيعَها مِن أَجلِ؛

  * حمايةِ نفسِكَ والآخرينَ وأَنتَ تقودُ سيَّارتكَ في الشَّارعِ.

  * تحاشي العقُوبات والغَرامات المروريَّة.

  *إِحترام النِّظام العامِّ من خلالِ إِحترامِ القانُونِ الذي على أَساسهِ حصلتَ على إِجازةِ السَّوقِ ومنحكَ الحق في حملِ [الهويَّة].

  * المُحافظةِ على سجلِّك المرُوري، إِن صحَّ التَّعبيرِ، نظيفاً.

  * وأَخيراً ستحصلُ على سُمعةٍ طيِّبةٍ بينَ النَّاسِ إِذ سيُشيرونَ إِليكَ بالبنانِ ويذكرُونكَ بالخَيرِ كونكَ سائِقٌ مُتميِّزٌ على مُستوى فنِّ السِّياقةِ ومهاراتِها وذوقِها وأَخلاقِها.

  ذاتُ المثلِ بالضَّبطِ ينطبقُ على [التشيُّعِ] سواءً كانَ لفردٍ أَو لعقيدةٍ.

  فالذي يدَّعي أَنَّهُ [شيعةٌ] لأَحدٍ أَو لعقيدةٍ أَو لفكرةٍ أَو لنظريَّةٍ ما فهَل يكفي أَنَّهُ أَو يكتفي بحملِ هويَّةٍ تُثبِتُ ذلكَ؟!.

  هل يكفي أَن يعرفَ كُلَّ تفاصيلَ سيرةِ ومسيرةِ الذي يتشيَّعَ لهُ أَو تفاصيلَ العقيدةِ التي يدَّعي تشيُّعهُ لها؟!.

  وهل يكفي أَنَّهُ يُحاولُ أَن يلتزمَ بسيرةِ من يتشيَّعَ لهُ أَو بالعقيدةِ التي يتشيَّعَ لها من دونِ أَن يعرفَ تفاصيلَها وأُسسَها وجوهرَها وقيمَها وأَخلاقها وأَدواتَها؟!.

  لا يكفي شيءٌ من هذا ليُثبتَ المرءُ أَنَّهُ شيعةٌ لزيدٍ أَو لعمرُو أَو أَنَّهُ شيعةٌ لهذهِ العقيدةِ أَو تلكَ.

  إِنَّما الذي يكفِي هوَ سلسلةُ التَّرابُطِ بينَ الهويَّةِ التي تدلُّ على الإِنتماء النَّظري وعلى الورقِ، والمنهجِ الذي يدلُّ على وعي المُتشيِّع بما يدَّعيهِ والإِلتزامِ بالمنهجِ الذي يدلُّ على التشيُّعِ الحقيقي دونَ النَّظري فحَسب.

  كثيرُونَ همُ الذينَ يحمِلونَ هويَّات [تشيُّعٍ] من نوعٍ ما لرمُوزٍ أَو لعقائدَ، وكثيرُونَ همُ الذينَ يحفظُونَ المنهجَ عن ظهرِ قلبٍ ولكِن قليلونَ جدّاً همُ الذينَ يجسِّدونَ المنهجَ والرِّسالةَ في سلوكهِم اليَومي، فالتَّناقضُ بينَ الإِدِّعاءِ والواقعِ هوَ السِّمة الغالِبة على كثيرٍ من النَّاسِ، والأَسبابُ عديدةٌ منها على سبيلِ المثالِ لا الحصرِ؛

  *الجهلُ بجوهرِ الفكرةِ.

  *السَّعي لصياغتِها بمقاساتٍ تخدمُ الأَهدافَ الخاصَّةَ وليسَ بمقاساتِها الحقيقيَّةِ الأَصيلةِ.

  *التستُّرُ بها لخداعِ الرَّأي العامِّ وحمايةِ الفضائحِ.

  *وأَخيراً التمرُّد عليها بمجرَّدِ أَن تصطدِمَ بالواقعِ وتتناقض معَ الأَهدافِ الخاصَّةِ للمُدَّعي بالتشيُّعِ!.  

  هذهِ الأَسبابُ وغيرِها هي التي تُنتِجُ ظاهرةَ النِّفاقَ والمُنافقينَ في المجتمعاتِ وكذلكَ حالات [إِزدِواج الشَّخصيَّة] التي ابتُليَت بها مُجتمعاتِنا.

  ولشدَّةِ خطُورةِ المُنافقِ في المُجتمعِ حذَّرَ منهُ أَميرُ المُؤمنينَ بما لم يُحذِّر من الكافرِ والمُشركِ!.

  يقُولُ (ع) {أُوصِيكُمْ عِبَادَ اللَّه بِتَقْوَى اللَّه وأُحَذِّرُكُمْ أَهْلَ النِّفَاقِ فَإِنَّهُمُ الضَّالُّونَ الْمُضِلُّونَ والزَّالُّونَ الْمُزِلُّونَ يَتَلَوَّنُونَ أَلْوَاناً ويَفْتَنُّونَ افْتِنَاناً ويَعْمِدُونَكُمْ بِكُلِّ عِمَادٍ ويَرْصُدُونَكُمْ بِكُلِّ مِرْصَادٍ، قُلُوبُهُمْ دَوِيَّةٌ وصِفَاحُهُمْ نَقِيَّةٌ، يَمْشُونَ الْخَفَاءَ ويَدِبُّونَ الضَّرَاءَ، وَصْفُهُمْ دَوَاءٌ وقَوْلُهُمْ شِفَاءٌ وفِعْلُهُمُ الدَّاءُ الْعَيَاءُ، حَسَدَةُ الرَّخَاءِ ومُؤَكِّدُو الْبَلَاءِ ومُقْنِطُو الرَّجَاءِ، لَهُمْ بِكُلِّ طَرِيقٍ صَرِيعٌ وإِلَى كُلِّ قَلْبٍ شَفِيعٌ ولِكُلِّ شَجْوٍ دُمُوعٌ، يَتَقَارَضُونَ الثَّنَاءَ ويَتَرَاقَبُونَ الْجَزَاءَ إِنْ سَأَلُوا أَلْحَفُوا وإِنْ عَذَلُوا كَشَفُوا وإِنْ حَكَمُوا أَسْرَفُوا، قَدْ أَعَدُّوا لِكُلِّ حَقٍّ بَاطِلًا ولِكُلِّ قَائِمٍ مَائِلًا ولِكُلِّ حَيٍّ قَاتِلًا ولِكُلِّ بَابٍ مِفْتَاحاً ولِكُلِّ لَيْلٍ مِصْبَاحاً، يَتَوَصَّلُونَ إِلَى الطَّمَعِ بِالْيَأْسِ لِيُقِيمُوا بِه أَسْوَاقَهُمْ ويُنْفِقُوا بِه أَعْلَاقَهُمْ، يَقُولُونَ فَيُشَبِّهُونَ ويَصِفُونَ فَيُمَوِّهُونَ، قَدْ هَوَّنُوا الطَّرِيقَ وأَضْلَعُوا الْمَضِيقَ فَهُمْ لُمَةُ الشَّيْطَانِ وحُمَةُ النِّيرَانِ (أُولئِكَ حِزْبُ الشَّيْطانِ أَلا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطانِ هُمُ الْخاسِرُونَ)}. 

  ولقد وصفَ (ع) حالةَ النَّاسِ على مرِّ التَّاريخِ بقولهِ {إِنَّكُمْ (واللَّه) لَكَثِيرٌ فِي الْبَاحَاتِ قَلِيلٌ تَحْتَ الرَّايَاتِ}.

  فبغضِّ النَّظرِ عن طبيعةِ الباحاتِ والسَّاحاتِ وبغضِّ النَّظرِ عن طبيعةِ الرَّاياتِ والأَعلامِ، فإِنَّكَ ترى دائماً أَنَّ عددَ الذينَ يدَّعونَ الإِنتماء كثيرونَ جدّاً، تجدهُم في السَّاحاتِ وينتشِرونَ في الباحاتِ ولكنَّكَ لا تجدُ إِلَّا القليلَ منهُم بمجرَّدِ أَن تُرفعُ الرَّاية التي قالُوا أَنَّهم يتشيَّعونَ وينتمُونَ لها، والباحاتُ هي رمزُ الكلامِ والخِطاباتِ والهِتافاتِ التي تُلامِسُ عادةً عواطفَ النَّاسِ ومشاعرهُم، أَمَّا الرَّايات فهيَ رمزُ الإِلتزام والإِنضباط والتَّضحية من أَجلِ الفكرةِ أَو العقيدةِ أَو الرَّمز، وهُنا يكمنُ التَّناقضُ والإِختلافُ.

  يقولُ أَميرُ المُؤمنِينَ (ع) {أَيُّهَا النَّاسُ الْمُجْتَمِعَةُ أَبْدَانُهُمْ الْمُخْتَلِفَةُ أَهْوَاؤُهُمْ كَلَامُكُمْ يُوهِي الصُّمَّ الصِّلَابَ وفِعْلُكُمْ يُطْمِعُ فِيكُمُ الأَعْدَاءَ! تَقُولُونَ فِي الْمَجَالِسِ؛ كَيْتَ وكَيْتَ فَإِذَا جَاءَ الْقِتَالُ قُلْتُمْ؛ حِيدِي حَيَادِ!}.

  والخطابُ والوصفُ موجَّهٌ للنَّاسِ بغضِّ النَّظرِ عن الخلفيَّةِ وطبيعةِ التشيُّعِ ولِمَن؟! فهذهِ هيَ الطَّبيعةُ البشريَّةُ، قد تتمظَهر أَكثر في الشَّرقِ بشكلٍ عامٍّ إِلَّا أَنَّها لا تقتصِر عليهِ دونَ الغربِ!.

الوسوم: نزار حيدر