التضخم الأكاديمي في العراق

مقالات 30 June 2026
بقلم: د. حسين محمد الفيحان

التعليم العالي، الذي كان في العراق قصة نجاح ومنارة في المنطقة كلها، كانت فيه الجامعات العراقية ليست مكانا لتأخذ منه ورقة تسمى {شهادة التخرج}، بل كانت مكانا مقدسا للفكر والمعرفة الحقيقية، كما هو المحراب، مكانا تتشكل فيه العقول، وتناقش فيه الأفكار بجدية، ليُبنى مستقبل الإنسان فعلا.

إن التراجع يعود إلى عدة أسباب متتالية أثرت على نظام التعليم العالي الذي كان مضربًا للمثل، كما أنه ليس مجرد تسلسلات أرقام في تصنيفات دولية، بل هو أزمة حقيقية باتت أصداؤها مدوية ومؤثرة بشكل مخيف.

حتى عام 2008، وقبل أن تبدأ المشكلات الكبيرة في البلد، وتزداد الكليات والجامعات الأهلية بشكل فائض، كانت الجامعة العراقية لها هيبة كبيرة، وكان هناك احترام حقيقي وعميق للعملية الأكاديمية برمتها، قائمًا على أساس احترام المنهج العلمي والقدرة على التحمل المطلوب للتعلم العميق. ولكن تعرض التعليم العالي في العراق إلى صدمات متتالية أدت إلى تضخمه:

أولها: التدخل السياسي: والذي بسببه تبوأ أعلى مناصب التعليم العالي أشخاص ليس لديهم الخبرة الكافية ولا الشهادات العليا القيمة والرصينة ليديروا بها الأمور، وإنما أتت بهم المحاصصة التي تحكم البلاد. وهنا دخلت المحسوبية في المناصب والوظائف والتعيينات، وتم منح عشرات الاعترافات لكليات وجامعات أهلية، يصل عددها إلى أكثر من 80 كلية وجامعة في عموم البلد، بضوابط وشروط يسيرة.

ثانيها: التعطيل الدراسي: الذي حدث بسبب احتجاجات عام 2019، وتلتها جائحة كورونا، والذي كسر عادة التعليم العالي في البلاد، مما خلق فجوة كبيرة في الاستمرارية الأكاديمية، بالتحول من التعليم الحضوري إلى التعليم الإلكتروني، مع بنية تحتية ضعيفة، وإنترنت متقطع، وتيار كهربائي سيئ، مما أدى إلى تدهور معايير التقييم بشكل حاد، وصار النجاح مضمونًا للجميع، بغض النظر عن المجهود والفهم. وقد تأثر بذلك 60 بالمئة من سكان العراق؛ لأنهم كانوا تحت سن الـ 24 عامًا في تلك الفترة.

وهذا يأخذنا مباشرة إلى صدمة التحول المعرفي (تآكل العقول)، فتزامن التعليم من وراء الشاشات مع انفجار مواقع التواصل الاجتماعي، وظهور الذكاء الاصطناعي، أدى إلى تدمير كامل للقدرة على التركيز، بالتحول من التعلم العميق إلى التعلم السطحي. والمفارقة العجيبة أنه، مع كل تلك الأسباب التي أدت إلى تدهور التعليم العالي، حدث شيء غريب وعكسي تمامًا، وهو انفجار هائل في عدد الشهادات الجامعية والشهادات العليا، والذي حصل بسبب وجود أكثر من 85 جامعة وكلية أهلية جديدة، غير الجامعات الحكومية الموجودة أصلًا، ما أحدث توسعًا كبيرًا وغير مدروس مطلقًا، كان الهدف منه ليس تحسين جودة التعليم، بل زيادة أعداد الخريجين فقط. وهذا سبب التضخم الأكاديمي، والذي يمكن قياسه بمثل تضخم العملة في البلاد، فعندما تطبع أي دولة عملة أكثر من الحاجة إليها فإنها تصبح بلا قيمة، وكذلك فإن منح عشرات الآلاف من الشهادات من دون معرفة حقيقية يجعلها مجرد حبر على ورق، وبلا قيمة.

ثالثها: تحول التعليم من رسالة إلى تجارة: إن التضخم الأكاديمي لم يكن صدفة أبدًا، بل هو نتيجة سياسات وآليات واضحة نُظمت بقوانين سمحت لعشرات، بل مئات الآلاف، بالحصول على الشهادات العليا من دول الخارج بشروط سهلة وبثمن بخس، هدفها تخريج أكبر عدد من الطلاب بأسرع وقت. فعندما يكون الهدف هو طباعة ورقة تسمى “شهادة تخرج” بدلًا من بناء عقل الإنسان، فإن النظام التعليمي يفقد قيمته ومعناه.

والأهم أن موضوع التضخم هذا ليس مجرد أزمة أكاديمية، بل هو قنبلة اقتصادية موقوتة، بتخرج آلاف الطلاب سنويًا بمهارات ليس لها علاقة بسوق العمل. وذلك ليس مجرد فجوة مهارات، بل هو فجوة تهدد مستقبل الاقتصاد. والنتائج مؤسفة أيضًا للخريجين، كونهم غير مؤهلين لسوق العمل الحقيقي، مما يدفعهم إلى الضغط الكبير على الحكومة من أجل الحصول على وظائف حكومية، ليتحولوا من طاقة منتجة إلى عبء على ميزانية الدولة. فرأس المال البشري أغلى ما تملكه أي دولة، يضيع هدرًا، والابتكار والنمو يتوقفان تمامًا.

وبشكل مؤلم وقاسٍ، لم يعد التعليم يعلم الأجيال، بل صار يمررهم من خلال النظام فقط. لقد ضاعت هيبة الشهادة، وقدرة الطالب على التحمل العلمي والمعرفي، والهدف الأسمى من التعليم العالي. فالمباني يمكن إعادة بنائها، والشهادات يمكن طباعة غيرها، لكن هذه الأجيال التي تضيع عليها فرصة الحصول على التعليم الحقيقي، فهي خسارة من الصعب، بل من المستحيل، تعويضها.