الاقليم يسلم مطلوبين بقضايا فساد إلى بغداد ويؤكد: كردستان لن تكون ملاذاً للهاربين

سياسية 16 July 2026
في خطوة وُصفت بأنها من أبرز مؤشرات التنسيق بين بغداد وأربيل في ملف مكافحة الفساد، أعلنت حكومة إقليم كردستان تسليم عدد من المتهمين بقضايا فساد إلى السلطات الاتحادية، إلى جانب تسليم 358 كيلوغراماً من الذهب المضبوط إلى هيئة النزاهة الاتحادية، ضمن تعاون مشترك يهدف إلى استرداد الأموال العامة وملاحقة المطلوبين للقضاء.

وتأتي هذه الخطوة في وقت تسعى فيه الحكومتان إلى معالجة أحد أكثر الملفات تعقيداً خلال السنوات الماضية، إذ واجه تنفيذ مذكرات القبض بحق متهمين كانوا ينتقلون بين بغداد وأربيل صعوبات ناجمة عن التداخل الإداري والقانوني بين الحكومتين. وأدى ذلك إلى توجيه اتهامات سياسية متكررة للإقليم بأنه يمثل ملاذاً لبعض المطلوبين في قضايا فساد، وهو ما نفته حكومة إقليم كردستان مراراً، مؤكدة أنها لا توفر الحماية لأي متهم خارج إطار القانون.

وقال عضو الحزب الديمقراطي الكردستاني دلشاد شعبان، في حديث لصحيفة المدى العراقية، إن التعاون بين بغداد وأربيل في مجال مكافحة الفساد «يبلغ أعلى مستوياته هذه الأيام» بعد تسليم عدد من المطلوبين إلى هيئة النزاهة، مؤكداً أن «أربيل لم ولن تكون ملاذاً للفاسدين والهاربين من العدالة، وأي مطلوب للقضاء سيتم تسليمه إلى الجهات القضائية بشكل فوري». وأضاف أن الحزب يؤيد إجراءات مكافحة الفساد التي تنفذها الحكومة الاتحادية، مشيراً إلى أن التعاون بين الأجهزة الأمنية في الإقليم ونظيرتها الاتحادية أسفر عن اعتقال عدد من المطلوبين، وأثبت أن أربيل «لن تكون مستقراً لأي فاسد، بعكس ما يروج ضدنا».

وبحسب بيان صادر عن مكتب رئيس حكومة إقليم كردستان، فإن التعاون بين أربيل وبغداد خلال الفترة الماضية لم يقتصر على تسليم الذهب، بل شمل أيضاً إلقاء القبض على متهمين بقضايا فساد، واتخاذ إجراءات قانونية بحقهم، فضلاً عن ضبط أموال وممتلكات وإعادتها إلى الخزينة العامة. وأكد البيان أن هذا التنسيق يأتي بتوجيه مباشر لتعزيز التعاون بين الأجهزة الأمنية والقضائية في الحكومتين، بهدف ملاحقة الفاسدين واسترداد المال العام وترسيخ سيادة القانون.

وفي سياق متصل، أعربت كتلة الحزب الديمقراطي الكردستاني في مجلس النواب العراقي، في بيان سابق، عن دعمها الكامل للإجراءات القانونية التي اتخذتها الحكومة بالتعاون مع السلطة القضائية والمؤسسات الرقابية لملاحقة المتورطين في قضايا الفساد المالي والإداري. ودعت إلى تعزيز التنسيق بين السلطتين التنفيذية والقضائية لضمان نجاح الحملة وتحقيق أهدافها في استرداد المال العام، كما طالبت بتوسيع نطاق الإجراءات لتشمل جميع المحافظات والمدن العراقية دون استثناء، مع التأكيد على تطبيق القانون على الجميع من دون تمييز.

من جانبه، قال عضو الاتحاد الوطني الكردستاني غياث سورجي، في حديث صحفي، إن حزبه كان من أوائل الجهات التي دعت إلى محاربة الفساد، مؤكداً دعمه لإجراءات الحكومة الاتحادية حتى وإن شملت مسؤولين كرداً. وأضاف أن «الفساد لا يعرف جهة محددة، وهو جريمة يجب محاسبة مرتكبيها»، مشدداً على أن السليمانية «لن تكون ملاذاً للهاربين والفاسدين»، وأن هناك تعاوناً وتنسيقاً مع الأجهزة الأمنية لتسليم أي مسؤول فاسد يحاول الدخول إلى المدينة أو الاختفاء فيها. كما دعا إلى الاستمرار في ملاحقة الفاسدين واسترداد الأموال المنهوبة وعدم التهاون مع من وصفهم بـ«سراق المال العام».

ويرى مختصون في الشأن القانوني أن نجاح أي حملة لمكافحة الفساد لا يتوقف عند إصدار أوامر القبض، وإنما يعتمد على وجود تعاون فعلي بين السلطات التنفيذية والقضائية في مختلف أنحاء العراق، بما يمنع استغلال الحدود الإدارية بين المحافظات وإقليم كردستان للهروب من العدالة. ويؤكدون أن تنفيذ مذكرات القبض المتبادلة واسترداد الأموال المنهوبة يمثلان اختباراً حقيقياً لجدية أربيل في مكافحة الفساد بعيداً عن الخلافات السياسية.

وقال الخبير القانوني ريبين أحمد، في حديث لـصحيفة المدى العراقية ، إن التعاون الأخير بين بغداد وأربيل يمثل تطبيقاً للقانون العراقي وخطوة مهمة في ملاحقة المتهمين بقضايا الفساد. وأوضح أن كثيراً من المطلوبين كانوا يعتقدون أن الأجهزة الأمنية العراقية لا تستطيع الوصول إليهم داخل الإقليم، إلا أن الدستور العراقي ينص على التعاون والتنسيق بين الأجهزة الأمنية في الحكومتين، مبيناً أن قوات البيشمركة والأجهزة الأمنية التابعة للإقليم تنفذ ما يطلبه القضاء العراقي.

ويعد هذا التعاون تحولاً في طبيعة العلاقة بين بغداد وأربيل، إذ يتزامن مع محاولات معالجة ملفات عالقة بين الجانبين، من بينها الرواتب والنفط والإيرادات، وهو ما قد يعكس توجهاً نحو توسيع مساحة التنسيق في القضايا ذات الاهتمام المشترك، وفي مقدمتها مكافحة الفساد وحماية المال العام.

وشهدت بغداد وعدد من المحافظات خلال الأيام الماضية حملة اعتقالات واسعة طالت مسؤولين سياسيين ونواباً ورجال أعمال، ووصفت بأنها من أكبر عمليات مكافحة الفساد منذ سنوات، إذ تستهدف شبكات متهمة بهدر المال العام وتهريب مليارات الدولارات، وسط مؤشرات إلى أن التحقيقات قد تمتد لتشمل شخصيات من مستويات عليا في الدولة.

ورغم الترحيب بهذه الإجراءات، يرى مراقبون أن نجاحها سيقاس بمدى استمرارها وعدم اقتصارها على حالات محددة، فضلاً عن شمولها جميع المتهمين من دون تمييز سياسي أو حزبي.