"لاماسيا" و"محمد السادس".. فماذا صنعنا للكرة العراقية؟

مقالات 31 July 2026
بقلم: محمد الناصري

في كل مرة يتعثر فيها المنتخب العراقي، أو يخرج من بطولة، تتجه الأنظار إلى المدرب أو الاتحاد أو قائمة اللاعبين. تتغير الأسماء، وتتكرر الانتقادات، لكن السؤال الحقيقي يبقى غائبًا: هل المشكلة في من يقود المنتخب، أم في الطريقة التي نصنع بها اللاعب العراقي منذ طفولته؟

الإجابة، برأيي، تبدأ قبل سنوات طويلة من ارتداء اللاعب قميص المنتخب الوطني. فالأزمة ليست أزمة مدرب أو جيل، بل أزمة منظومة.

اليوم، لم تعد كرة القدم الحديثة تعتمد على الموهبة وحدها. اللاعب في الدول المتقدمة مشروع متكامل يبدأ في سن مبكرة داخل الأكاديميات. هناك لا يتعلم الطفل كيفية التمرير أو التسديد فقط، بل يتعلم الانضباط، والتغذية، وإدارة وقته، والاحتراف، والتعامل مع الإعلام، واستخدام وسائل التواصل الاجتماعي، وفهم المدارس التكتيكية المختلفة، والتعامل مع الضغط النفسي، واحترام المؤسسة التي يمثلها.

ولهذا عندما نرى لاعبي برشلونة أو أياكس أو المنتخبات الفرنسية أو المغربية، فإننا لا نشاهد لاعبين موهوبين فقط، بل نشاهد نتاج مشروع استمر سنوات طويلة.

أكاديمية “لا ماسيا” في برشلونة لم تصنع ليونيل ميسي وتشافي وإنييستا وبوسكيتس ولامين يامال بالصدفة، بل صنعت هوية كروية كاملة أصبحت أساس نجاح برشلونة والمنتخب الإسباني الذي توج بكأس العالم عام 2010 وبطولتي أوروبا 2008 و2012 وكأس العالم 2026.

وفي المغرب، لم يكن الوصول إلى نصف نهائي كأس العالم 2022 حدثًا عابرًا. فقد جاء بعد سنوات من الاستثمار في أكاديمية محمد السادس، التي أصبحت ترفد المنتخب المغربي والأندية الأوروبية بلاعبين نشأوا في بيئة احترافية منذ طفولتهم.

وفي فرنسا، لم تعتمد الدولة على المواهب وحدها، بل أنشأت مركز كليرفونتين، الذي ساهم في تكوين أجيال قادت فرنسا إلى ألقاب عالمية وقارية. وحتى قطر، التي لم تكن تملك تاريخًا كرويًا كبيرًا، بنت مشروع أكاديمية أسباير، وكان أثره واضحًا في تتويج المنتخب بكأس آسيا 2019.

في العراق، تبدو الصورة مختلفة، فاللاعب العراقي غالبًا ما يبدأ رحلته من الشارع أو من بطولة شعبية، ثم ينتقل إلى أحد الأندية، وبعدها إلى المنتخبات العمرية، دون أن يمر بمنظومة أكاديمية متخصصة ترافقه منذ طفولته وحتى وصوله إلى المنتخب الوطني. 

وهنا تكمن المشكلة، فالموهبة العراقية موجودة، لكنها لا تجد البيئة التي تصقلها بالشكل الصحيح، لذلك تظهر الفجوات لاحقًا، سواء في التعامل مع الإعلام، أو فهم متطلبات الاحتراف الخارجي، أو الالتزام بنمط الحياة الرياضي، أو القدرة على استيعاب المدارس التكتيكية المختلفة، أو حتى إدارة الضغوط الجماهيرية.

فاللاعب الحديث لا يُقاس بما يقدمه خلال تسعين دقيقة فقط، بل بما يفعله في بقية ساعات يومه. حياته خارج الملعب أصبحت جزءًا لا يتجزأ من مستواه داخله.

وعندما نسترجع أبرز إنجازات الكرة العراقية، نجد أنها لم تأتِ من فراغ، فجيل الثمانينيات استفاد من البطولات المدرسية التي كانت تشرف عليها وزارة التربية، ومن المدارس الكروية التابعة للأندية الكبيرة مثل الطلبة والزوراء والشرطة والقوة الجوية، وهي منظومة ساهمت في اكتشاف المواهب وتطويرها قبل وصولها إلى المنتخب الوطني.

أما جيل كأس آسيا 2007، فقد كان في معظمه نتاج عمل طويل داخل الأندية، إضافة إلى استمرار عدد كبير من اللاعبين معًا عبر المنتخبات العمرية، الأمر الذي منح المنتخب الانسجام والاستقرار الفني.

وفي السنوات الأخيرة، أظهرت تجربة اللاعبين المغتربين درسًا مهمًا. فقد لعب هؤلاء دورًا بارزًا في رفع المستوى الفني للمنتخب العراقي، ليس لأنهم أكثر موهبة بالضرورة، وإنما لأنهم نشأوا داخل مدارس كروية احترافية في السويد وألمانيا وهولندا وإنجلترا ودول أوروبية أخرى. لذلك بدا أثر تلك البيئة واضحًا في انضباطهم، وثقافتهم الرياضية، وطريقة تعاملهم مع الإعلام والجماهير، وسرعة استيعابهم للأفكار التكتيكية، واحترافيتهم داخل الملعب وخارجه.

وهذا لا ينتقص إطلاقًا من قيمة اللاعب المحلي، بل يؤكد أن اللاعب العراقي، إذا وُضع في البيئة الصحيحة منذ طفولته، قادر على المنافسة مع أفضل اللاعبين.

المشكلة الأخرى تتمثل في غياب الاستمرارية. فكل اتحاد جديد يبدأ مشروعًا مختلفًا، وفي أحيان كثيرة يتخلى عما بدأه الاتحاد السابق. وكأن عمر المشروع الكروي في العراق لا يتجاوز دورة انتخابية واحدة.

لكن كرة القدم لا تُبنى خلال أربع سنوات، بل خلال عشر سنوات أو خمس عشرة سنة. لذلك لا ينبغي أن يبقى مشروع صناعة اللاعب مرتبطًا بالأشخاص أو بمجالس الإدارات، وإنما يجب أن يتحول إلى سياسة دولة.

العراق بحاجة إلى مشروع وطني دائم، تشرف عليه الحكومة بالتعاون مع الاتحاد العراقي لكرة القدم ووزارتي الشباب والتربية والأندية، ويهدف إلى إنشاء شبكة أكاديميات حديثة تعمل وفق منهج علمي موحد، مع استمرار المشروع بغض النظر عن تغير الحكومات أو الاتحادات.

وقد يرى البعض أن تطوير المدارس الكروية داخل الأندية يمكن أن يكون بديلًا، وهو خيار مهم إذا توفرت له الإمكانات والمعايير والرقابة، لكن التجربة المحلية خلال السنوات الماضية لم تثبت قدرة هذا النموذج وحده على إحداث التحول المطلوب. لذلك يبدو أن المشروع الوطني الشامل يظل الخيار الأكثر واقعية واستدامة.

العراق لا يفتقر إلى المواهب، بل يفتقر إلى المصنع الذي يحول تلك المواهب إلى لاعبين عالميين.

فإذا كنا نحلم بمنتخب ينافس باستمرار على كأس آسيا، ويحضر في كأس العالم بصورة مشرفة، ويصدر لاعبين إلى أكبر الدوريات الأوروبية، فإن البداية ليست من تغيير المدرب، ولا من تغيير الاتحاد، وإنما من بناء الأكاديمية.

لأن البطولات لا تُصنع في يوم المباراة، بل تُصنع في ملاعب الناشئين، وفي قاعات الدراسة، وفي سنوات التكوين الأولى.

وحين يدرك العراق هذه الحقيقة، سيكون النجاح نتيجة طبيعية لمشروع طويل الأمد، لا إنجازًا استثنائيًا ينتظره كل جيل.