الكويت توسّع الاقتراض لمواجهة العجز
يأتي ذلك في وقت فرضت فيه الاضطرابات الجيوسياسية الإقليمية ضغوطاً على بيئة التشغيل والقطاعات غير النفطية، حيث انعكست حالة عدم اليقين على حركة التجارة وسلاسل الإمداد ومعدلات الإنفاق الاستثماري، وكشفت مؤشرات تقدير "ستاندرد آند بورز" الصادر في 5 تموز الماضي، عن انكماش في القوة الشرائية، وتراجع مستويات التوظيف في القطاع الخاص تحت وطأة كلفة الإنتاج المرتفعة. ولتجاوز هذه الفجوة المالية ومعالجة الاختلالات الهيكلية، تضع أطر الإصلاح الاقتصادي بالكويت مجموعة من الحلول القائمة على ضبط النفقات الجارية، وتوسيع الإيرادات غير النفطية.
يؤكد الخبير الاقتصادي، حسام عايش، أهمية عدم نسبة العجز في الموازنة الكويتية بالكامل إلى الحرب الأميركية الإيرانية، إذ إن السنة المالية 2025/ 2026 انتهت في 31 اذار الماضي، ما يعني أن تداعيات الحرب وتعطل مضيق هرمز والهجمات الإيرانية لم تدخل في الحساب الختامي إلا خلال الشهر الأخير فقط، بينما من المرجح أن يظهر العبء الأكبر والممتد للحرب في موازنة 2026/2027 من خلال انخفاض الصادرات النفطية، وتعطل التجارة، وارتفاع تكاليف النقل والتأمين والأمن.
وتأثر الاقتصاد الكويتي من عدة زوايا، أبرزها التوقف أو التراجع الحاد في تصدير النفط الذي يعتمد عليه البلد الخليجي بشكل كبير عبر مضيق هرمز تحديداً، وبما أن الكويت لا تملك مسارات برية أو بحرية بديلة بحجم تلك المتاحة للسعودية أو الإمارات، فإن ارتفاع أسعار النفط عالمياً لا يفيد الخزينة كثيراً في ظل عدم القدرة على التصدير، ما يجعل النفط الكويتي الأكثر تأثراً بالتراجع الإقليمي، حسبما يرى عايش.
ويترافق ذلك مع تكاليف تأمين وشحن مرتفعة، وتردد بعض المشترين في الاعتماد على الإمدادات من المنطقة، بالإضافة إلى ضرورة تخفيض الإنتاج بسبب صعوبة التخزين والتصدير نظراً للمحدودية في السعات التخزينية، ما أدى لانخفاض ملموس في الإنتاج، وفقدان جانب من إمدادات الغاز المستوردة، ما أضاف ضغوطاً على قطاع الكهرباء والصناعة، وفق تحليل عايش.
ورفعت الهجمات التي وصلت للأراضي الكويتية الإنفاق الأمني وتكاليف حماية المنشآت النفطية والموانئ والمطارات، وزادت أقساط التأمين وكلف استيراد الغذاء والمواد الخام، مع تراجع حركة الطيران والخدمات والتجارة، ما أثر سلباً، حسب عايش، على القطاع الخاص، رغم بقاء القطاع المصرفي والاحتياطيات السيادية قوية نسبياً أمام التداعيات السلبية المباشرة.
وإزاء ذلك، يرجح عايش استمرار العجز حتى بعد انتهاء الحرب، بسبب طابعه الهيكلي والظرفي معاً، ففي سيناريو التهدئة السريعة قد يبقى العجز مرتفعاً خلال 2026/2027، ثم يتراجع لاحقاً، أما إذا استمرت الاضطرابات وإغلاق المضيق حتى عام 2027 فيرجح أن تسجّل الكويت عجزاً استثنائياً لسنتين أو ثلاث، مع ارتفاع الدين العام، واضطرار الحكومة للاقتراض والسحب من الاحتياطيات، لافتاً إلى أن صندوق النقد الدولي توقع استمرار ارتفاع العجز، ليصل إلى أكثر من 9% من الناتج المحلي، في حال عدم تطبيق إصلاحات كافية.
ويعد إصدار سندات بقيمة 6 مليارات دولار خطوة مفهومة لتوفير السيولة، وتجنب الاستنزاف السريع للاحتياطيات بالاستفادة من الملاءة الائتمانية العالية للكويت، لكن هذا الاقتراض يمول العجز ولا يعالجه، خاصة إذا استُخدم لتمويل رواتب ودعم ونفقات جارية، ما يعني تحويل جزء كبير من الإيرادات النفطية المستقبلية لسداد ديون الفترة الحالية، كما يحذر عايش.
ولمعالجة العجز جذرياً، يرى عايش أن الأمر يتطلب تنويع منافذ تصدير النفط، وتوسيع التخزين الاستراتيجي، ودراسة خطوط أنابيب إقليمية عبر السعودية، وتأمين بدائل للغاز والغذاء، بالإضافة إلى مسار إصلاحي طويل يشمل ضبط نمو فاتورة الرواتب، وتوجيه الدعم للمستحقين، وتوسيع الإيرادات غير النفطية، وإعادة هيكلة الاقتصاد، ورفع كفاءة التحصيل، وتسريع مشروعات البتروكيماويات واللوجستيات.