إرهاب وفساد

مقالات 03 September 2026
بقلم: القاضي اياد محسن ضمد

ترتكب بعض الجرائم بواسطة أسلحة أو قنابل متفجرة، فنسمع دويا ونرى ضحايا ودماء، غير أن جرائم أخرى ترتكب بصمت وبشكل غير مرئي أحيانا، كتوقيع مستند في غرفة مكتب مغلق، او استلام رشوة لإخلال بواجبات وظيفة، او غيرها من جرائم الفساد وسرقة واختلاس الاموال العامة، ومرتكب تلك الجرائم الصامتة وكأنه يقوم بحقن أجهزة الدولة بجرعة سم ابيض، وجرعة من هنا تعقبها جرعة من هناك حينها سيتهالك جسد الدولة ويصيبه الخراب والانهيار ومن ثم تصاب الدولة بالموت السريري.

وازاء كم جرائم الفساد وتنوعها فان القضاء العراقي يخوض معركته الكبرى ضد ما يمكن ان اسميه بـ"إرهاب الفساد"، هذا الإرهاب الذي لا يقل ضررا وفتكا عن إرهاب الفكر التكفيري المتطرف ان لم يكن توأماً له لكنه يظهر بحلة مختلفة، فإرهابيو الفساد لا يلبسون الاقنعة ولا يحملون الاسلحة بل يرتدون البدلات الانيقة، وارهاب الفساد كما الارهاب التكفيري لديه خلايا نائمة وهم الموظفون الذين ينتظرون دورهم في تمرير صفقات الفساد، ولديه حواضن وهي البيئات الادارية التي تؤوي الفاسدين والتشريعات التي توفر لهم الثغرات القانونية.

ولإرهاب الفساد كذلك غنائم هي اموال المشاريع والموازنات التي يستولون عليها، واخطر ما يملك إرهابيو الفساد هو الغسيل الفكري، الذي يقنع صغار الموظفين ان الرشوة (هدية) او اتعاب يستحقها الموظف، وأن الاختلاس شطارة اقتصادية، وهكذا فإن ارهاب الفساد يهدف لتدمير بنية الدولة وكيانها السياسي والاقتصادي، فحين تتحول الأنظمة والقوانين الى أدوات بيروقراطية يستخدمها الفاسدون لابتزاز المواطنين وايقاف معاملاتهم، ويتحول النظام في وعي الناس من راع للحقوق الى بيئة تحتكر الفساد، حينها سيفقد المواطن ثقته بالدولة ومؤسساتها، وتصبح الدولة تماما (كالسد المائي) الذي تنهكه التصدعات الصغيرة والعميقة، فرغم أن الهيكل الظاهري يظل قائماً، الا أن النظام المالي والرقابي للدولة سيفرغ من محتواه، وإزاء إرهاب الفساد هذا فإن القضاء العراقي يتصدى بكل حزم لشبكات الفساد مع استنفار الجهود لكشف الخلايا النائمة والمستترة بغية القبض عليها وتفكيكها وحمايا النظام المالي والاقتصادي للدولة من ارهابها الحالي والمستقبلي.


الوسوم: اياد محسن ضمد