التكييف القانوني لجريمة بيع لحم الخنزير على أنه لحم خراف أو أبقار
انتشرت في الآونة الأخيرة حادثة صاحب محل قصابة يقوم ببيع لحوم الخنازير، بعد اصطيادها من البرية، على أنها لحوم أبقار وأغنام، وقد أثارت هذه الحادثة ضجة كبيرة في الرأي العام، وفي الوقت ذاته أثارت نقاشا قانونيا محتدما بين رجال القانون في العراق حول الوصف القانوني لهذه الجريمة.
هناك من ذهب إلى أن هذه الجريمة تأخذ وصف الغش التجاري، استنادا إلى منطوق المادة (467) من قانون العقوبات العراقي رقم (111) لسنة 1969 المعدل، التي نصت على: (يعاقب بالحبس مدة لا تزيد على سنتين وبغرامة لا تزيد على مائتي دينار او باحدى هاتين العقوبتين من غش متعاقدا معه في: حقيقة بضاعة أو طبيعتها أو صفاتها الجوهرية أو العناصر الداخلة في تركيبها او نوع البضاعة أو مصدرها في الأحوال التي يعتبر فيها ذلك سببا أساسيا في التعاقد او كان الغش في عدد البضاعة أو مقدارها أو مقياسها أو كيلها أو وزنها أو طاقتها أو كان في ذاتية البضاعة إذا كان ما سلم منها غير ما تم التعاقد عليه)، وهنالك من ذهب الى ان هذه الجريمة تعتبر من الجرائم المضرة بالصحة العامة، و هناك من يرى بأن هذه الجريمة تنطبق عليها المادة (٩) من قانون حماية المستهلك العراقي رقم (١) لسنة ٢٠١٠، والتي تتعلق بحظر ممارسة الغش والتضليل والتدليس، وهنالك من يرى أن هذه الجريمة تعتبر جريمة بيع لحم غير صالح للاستهلاك البشري والذي جرى تنظيمها في قرار مجلس قيادة الثورة المنحل رقم (١٤٦) لسنة ١٩٩٨، على أن يكون التطبيق هنا بشكل مطلق.
في الحقيقة، لا تنطبق على جريمة بيع لحم الخنزير أحكام المادة (467) من قانون العقوبات سالفة الذكر؛ لكون محل جريمة بيع لحم الخنزير لا يستند إلى الغش أو الخداع فقط، كما هو الحال في جرائم الغش التجاري، بل يتعداه إلى بيع شيء مُحرَّم دينيًا؛ إذ إن التجريم هنا لا يرتكز على تضليل المشتري، وإنما على ذات السلعة محل التعامل. ففي جرائم الغش التجاري، يكفي تحقق فعل الغش والتضليل لاستجماع الفعل عناصره القانونية ووقوعه تحت طائلة التجريم، أما فيما يتعلق ببيع لحم الخنزير، فإن مجرد بيع اللحم بذاته يجعل الفعل مستكملًا لعناصره القانونية، حتى وإن لم يستعمل البائع أو الجزار أي وسيلة من وسائل الغش أو التضليل.
وهذا من جانب التحليل الفني لانطباق القواعد الجنائية على الأفعال المجرَّمة، أما من حيث المصلحة المعتبرة بالحماية الجنائية، فإن الأمر يكون أكثر وضوحًا؛ إذ يغلب على المصلحة محل الحماية في جرائم الغش التجاري الطابع الاقتصادي، في حين ترتكز المصلحة في جريمة بيع لحم الخنزير على جوانب دينية وأخلاقية. وينطبق هذا التحليل كذلك على نص المادة (9) من قانون حماية المستهلك، أما فيما يتعلق بالنصوص الخاصة بالجرائم الماسّة بالصحة العامة، فهي بعيدة عن موضوع البحث من حيث انطباقها على هذه الواقعة.
أما فيما يتعلق بقرار مجلس قيادة الثورة المنحل رقم (146) لسنة 1998، الذي يجرّم هذا الفعل، وذلك من خلال ما نصت عليه المادة (أولًا) منه، والتي جاء فيها: (يعد بيع لحوم الكلاب أو الحمير أو غيرها من اللحوم غير المعدة أو غير الصالحة للاستهلاك البشري، على أنها لحوم خراف أو أبقار أو غيرها من اللحوم المعدة والصالحة للاستهلاك البشري، جريمة من الجرائم المتعلقة بالصحة ومبادئ الدستور العامة).
فنحن نقول بانطباق هذا النص على الفعل محل البحث، ولكن ليس بالكيفية المتداولة التي تقوم على إطلاق القول بتجريم بيع لحم الخنزير، استنادًا إلى اعتباره غير صالح للاستهلاك البشري على نحو مطلق؛ إذ إن تربية الخنازير وذبحها قد نُظمت بموجب تعليمات الشروط الصحية والفنية لتربية الخنازير رقم (1) لسنة 1988، ولا سيما ما ورد في المادة (6) منها، ومن ثم لا يمكن القول بعدم صلاحية لحم الخنزير للاستهلاك البشري على إطلاقها من الناحية الصحية. وعليه، كيف يمكن تطبيق قرار مجلس قيادة الثورة المنحل على هذه الجريمة؟ وبرأينا، ينطبق قرار مجلس قيادة الثورة المنحل رقم (146) لسنة 1998؛ لكون صلاحية الاستهلاك هنا ليست متعلقة بذات لحم الخنزير من الناحية الصحية، إذ إن هذا الجانب قد نُظّم بموجب تعليمات مستقلة، هي (تعليمات الشروط الصحية والفنية لتربية الخنازير).
وإنما تتعلق صلاحية استهلاكه بنظرة فئة أو طائفة ذات أبعاد دينية؛ فعلى سبيل المثال، يعتبر المسلم لحم الخنزير نجسًا ومحرمًا شرعًا، ومن ثم فإن صلاحيته للاستهلاك من الناحية الدينية لا تكون متحققة بالنسبة إليه. وعليه، فإن الاستقراء المتعمق للنصوص العقابية يقود، في رأينا، إلى انطباق قرار مجلس قيادة الثورة المنحل رقم (146) لسنة 1998 على هذه الجريمة، وليس النصوص المتعلقة بجريمة الغش التجاري الواردة في قانون العقوبات، أو غيرها من النصوص التجريمية الأخرى.
وفي الختام، فإن التشريع الجنائي في العراق بحاجة إلى إصلاح حقيقي وشامل، يبدأ من قانون العقوبات العراقي، ولا ينتهي عند القوانين الجنائية الخاصة المكملة والنصوص العقابية القديمة التي ما زالت تجرّم بعض الأفعال، وذلك من خلال مراجعة هذه النصوص وتحديثها بما يجعلها مواكبة للتطورات المتلاحقة، ومنسجمة مع التحولات التي طرأت على الواقع الاجتماعي والاقتصادي، وبما يحقق التوازن بين مقتضيات التجريم والعقاب ومتطلبات المجتمع المعاصر، ومن بين المسائل التي تستحق إعادة النظر والتنظيم التشريعي مسألة تجريم بيع لحوم الخنازير وغيرها من الأفعال التي تحتاج إلى معالجة قانونية أكثر دقة ووضوحا في ضوء الواقع الراهن وتحولاته.