البامية والسكري.. ماذا تقول الدراسات العلمية وما الذي تبالغ فيه منصات التواصل؟

علمية 14 September 2026
تحول مرض السكري إلى أحد أكبر التحديات الصحية عالميا، بعدما بلغ عدد المصابين به نحو 590 مليون شخص عام 2025، وفقا لتقديرات الاتحاد الدولي للسكري، وسط توقعات بارتفاع العدد إلى نحو 850 مليونا بحلول عام 2050، بزيادة تقترب من 46%. ويمثل السكري من النوع الثاني نحو 90% من حالات المرض عالميا، وترتبط الإصابة به بعوامل عدة، من أبرزها زيادة الوزن والسمنة وقلة النشاط البدني، إلى جانب عوامل وراثية وبيئية أخرى.

ورغم توافر أدوية فعالة تساعد على ضبط مستويات سكر الدم والحد من مضاعفات المرض، فإن البحث عن وسائل غذائية وطبيعية مساعدة لا يزال يحظى باهتمام المرضى والباحثين على حد سواء.

ومن بين الأطعمة التي اكتسبت شهرة واسعة في هذا المجال تبرز البامية، التي يجري تداولها على مواقع الإنترنت ومنصات التواصل الاجتماعي بوصفها وسيلة طبيعية لخفض سكر الدم.

لكن الدراسات العلمية ترسم صورة أكثر تعقيدا، فبعض النتائج تشير إلى تأثير محتمل في تحسين مؤشرات السكر، بينما لا تزال الأدلة غير كافية لاعتبار البامية بديلا عن العلاج الدوائي.

خضار غني بالمركبات الحيوية

البامية، واسمها العلمي (Abelmoschus esculentus L) من النباتات التي انتشرت منذ قرون في أفريقيا والشرق الأوسط ومناطق أخرى من العالم، وتفضل النمو في البيئات الاستوائية وشبه الاستوائية.

وتتميز قرونها الخضراء بقيمة غذائية مرتفعة، إذ تحتوي على الكربوهيدرات والبروتينات والألياف والمعادن، مثل البوتاسيوم والفوسفور والكالسيوم والمغنيسيوم، إلى جانب عدد من الفيتامينات والأحماض الأمينية.

كما تحتوي البامية على مركبات نباتية نشطة، من بينها الفلافونويدات والفينولات ومركبات مثل إيزوكيرسيترين (Isoquercitrin) وكيرسيتين-3-O-جنتيوبيوسايد (Quercetin-3-O-gentiobioside)، التي ترتبط بخصائصها المضادة للأكسدة.

أما بذورها فتحتوي على نسبة مرتفعة من الزيت، قد تتراوح بين 20% و40% من مكوناتها، ويُعد حمض اللينوليك أحد أبرز الأحماض الدهنية الموجودة فيها.

لماذا ارتبطت البامية بالسكري؟

يركز الباحثون بصورة خاصة على المادة الهلامية أو الصمغية الموجودة داخل قرون البامية، والغنية بعديدات السكاريد.

وتشير دراسات تجريبية إلى أن هذه المركبات قد تؤثر في مسارات خلوية مرتبطة باستجابة الخلايا للإنسولين وتنظيم استقلاب الغلوكوز، ومن بينها مسار PI3K-PKB/Akt.

كما أظهرت أبحاث مخبرية وحيوانية احتمالية مساهمة بعض مركبات البامية في دعم إفراز الإنسولين وحماية خلايا البنكرياس.

لكن الانتقال من هذه النتائج التجريبية إلى توصية علاجية للإنسان يحتاج إلى أدلة سريرية أكثر قوة، وهو ما دفع الباحثين إلى اختبار تأثير البامية في تجارب بشرية ومراجعات منهجية.

ماذا تقول المراجعات العلمية؟

في عام 2025، نشرت مجلة “Phytotherapy Research” مراجعة منهجية وتحليلا تلويا شمل 6 تجارب عشوائية مضبوطة، كانت قد نُشرت حتى 15 يوليو/تموز 2024، بهدف تقييم تأثير البامية لدى مرضى السكري من النوع الثاني.

وأظهرت النتائج أن تناول البامية ارتبط بانخفاض سكر الدم الصيامي والسكر التراكمي، في حين لم يظهر تأثير واضح في مستويات الإنسولين.

ورأى الباحثون أن هذه النتائج تفتح الباب أمام إمكانية استخدام البامية كعامل مساعد إلى جانب العلاج المعتاد لضبط سكر الدم، وليس بديلا عنه.

غير أن قوة النتائج ظلت محدودة بسبب قلة عدد الدراسات والمشاركين، إضافة إلى الاختلافات الكبيرة بين التجارب في الجرعات وأشكال البامية المستخدمة ومدة تناولها.

وسبقت هذه النتائج مراجعات أخرى توصلت إلى اتجاه مشابه. ففي مراجعة منهجية وتحليل تلوي شمل عددا من الدراسات على مرضى السكري ومقدماته، أظهرت النتائج تحسنا في بعض مؤشرات التحكم بسكر الدم بعد تناول البامية.

لكن الباحثين أشاروا كذلك إلى تباين واضح بين الدراسات في الجرعات والتركيبات ومدة التدخل، وهو ما يجعل تحديد جرعة علاجية موحدة أو طريقة مثالية لتناول البامية أمرا غير ممكن حتى الآن.

تجربة على 100 مريض

في عام 2023، نشر باحثون نتائج تجربة سريرية عشوائية مزدوجة التعمية شملت 100 شخص مصاب بالسكري من النوع الثاني.

وتناول المشاركون في مجموعة التدخل 1000 مليغرام من مسحوق البامية 3 مرات يوميا لمدة 3 أشهر، بينما حصلت المجموعة الأخرى على علاج وهمي بالجرعة نفسها.

والأهم أن المشاركين في المجموعتين استمروا في تناول أدوية السكري الموصوفة لهم طوال فترة الدراسة.

وأظهرت النتائج انخفاضا في سكر الدم الصيامي والسكر التراكمي لدى مجموعة البامية، إضافة إلى تحسن في مستويات الكوليسترول والدهون الثلاثية وبعض مؤشرات الالتهاب.

ولم تسجل الدراسة آثارا واضحة في وظائف الكبد أو الكلى أو ضغط الدم مرتبطة بتناول البامية خلال فترة التجربة.

نتائج غير متطابقة

على الجانب الآخر، لم تكن نتائج جميع الدراسات متوافقة. فقد نشرت مجلة “Advances in Integrative Medicine” عام 2025 نتائج لم تُظهِر فيها كبسولات البامية قدرة واضحة على خفض السكر التراكمي، بينما كان تأثيرها في سكر الدم الصيامي والدهون الثلاثية محدودا.

ورغم تسجيل ارتفاع في مستويات الإنسولين لدى بعض المشاركين، فإن الباحثين رأوا أن الأدلة لا تسمح باعتبار البامية علاجا أساسيا للسكري.

ودعوا إلى إجراء دراسات أطول وأكثر اتساعا لتحديد مقدار الفائدة الحقيقية، والجرعات المناسبة، وأي تأثيرات جانبية أو تداخلات دوائية محتملة.

كيف تؤكل البامية؟

يمكن تناول البامية طازجة أو مجففة أو مطهوة، كما تدخل في الحساء واليخنات والسلطات، وتختلف طرق إعدادها باختلاف الثقافات الغذائية.

ودرست الأبحاث أجزاء مختلفة منها، بما في ذلك القرون والبذور والقشور والأوراق والسيقان والزهور.

لكن الاهتمام الأكبر ينصب على القرون والمادة الصمغية الموجودة داخلها، نظرا لغناها بالألياف وعديدات السكاريد والمركبات النباتية النشطة.

ولا توجد حتى الآن طريقة علمية واحدة يمكن وصفها بأنها الأفضل لمرضى السكري، إذ استخدمت الدراسات مسحوق البامية أو مستخلصاتها أو كبسولاتها أو أجزاء مختلفة منها وبجرعات متفاوتة.

ومن ثم، فإن تحويل نتائج هذه الدراسات إلى وصفة منزلية بجرعة محددة لا يستند حتى الآن إلى دليل سريري كاف.

هل يمكن استبدال الدواء بالبامية؟

هنا تكمن النقطة الأهم. فالنتائج الإيجابية التي ظهرت في بعض الدراسات لا تعني أن البامية تستطيع أن تحل محل أدوية السكري، كما أن غالبية التجارب التي أظهرت فائدة اختبرتها إلى جانب العلاج المعتاد وليس بدلا منه.

كما أثيرت في بعض الدراسات احتمالية حدوث تداخل بين مكونات البامية وبعض أدوية السكري، ومن بينها الميتفورمين، وهو أمر لا تزال طبيعته وحجمه بحاجة إلى مزيد من الدراسات السريرية.

لذلك، ينبغي ألا يدفع تناول البامية المريض إلى خفض جرعة الدواء أو إيقافه أو استبداله من دون الرجوع إلى الطبيب، خصوصا أن عدم السيطرة على سكر الدم قد يؤدي إلى مضاعفات خطرة على القلب والأوعية الدموية والكلى والأعصاب والعينين.

وتشير الصورة العلمية الحالية إلى أن البامية غذاء غني بالعناصر والمركبات النباتية المفيدة، وقد تساعد ضمن نظام غذائي متوازن في تحسين بعض مؤشرات التحكم بسكر الدم، إلا أن تحويلها إلى “علاج طبيعي للسكري” يتجاوز حتى الآن ما تسمح به الأدلة المتاحة.

وبين النتائج الواعدة والقيود التي تحيط بالدراسات، تظل البامية غذاء مساعدا محتملا وليس بديلا عن العلاج الطبي.

*مصادر خبرية