محاربة الإفساد طريق إنهاء الفساد
حين يجد الإفساد طريقا مفتوحا يتولد تراكم الفساد الذي قد يصعب القضاء عليه، وعملية الإفساد هي فتح الطرق وتسهيل تداول الفساد باعتباره شطارة ومهارة يقوم بها بعض اللصوص مستغلين الغفلة التي يطول أمدها كما حدث في العراق طيلة أكثر من عقدين من الزمن.
وأولى طرق عمليات الإفساد هو اختيار الشخص غير المناسب وغير المؤهل لإدارة مركز تنفيذي يسمح لصاحبه باستخدام صلاحيات لصرف الأموال بأرقام كبيرة ودون مراقبة دقيقة من أجهزة الرقابة الكفيلة بمتابعة ذلك، وتواطؤ هذا المسؤول مع المسؤول الأعلى، وشعور الاثنين بأن هناك من يحمي تصرفهما في السرقة والعبث بأموال الدولة التي هي أموال الشعب، فمن أسباب تسهيل الفساد في مؤسسات الدولة فإن هناك طرقا متعددة ومتداخلة، وتشمل عوامل مؤسسية واقتصادية وسياسية واجتماعية، مثل غياب أو ضعف آليات الرقابة المستقلة والمساءلة الفعالة، وتداخل السلطات أو تركيز السلطة في يد قلة دون فصل حقيقي بين السلطات وغالبا ما تكون تلك السلطة محمية من جهة سياسية أو حزبية تكون هي التي مهدت للفاسدين للوصول إلى هذه المواقع، إضافة إلى ضعف أجهزة الرقابة، مما يقلل من خطر المحاسبة.
وغالبا ما يكون نقص الشفافية والتعقيد البيروقراطي، من أسباب ممارسة الفساد دون حذر أو خوف، فعلى سبيل المثال فإن الإجراءات المعقدة والغامضة والروتين الطويل يفتحان الباب للرشاوى مقابل “تسهيل” المعاملات، إضافة إلى غياب الإفصاح العلني عن الميزانيات والعقود والمناقصات والممتلكات العامة، وصعوبة وصول المواطنين إلى المعلومات، مما يحمي الممارسات الفاسدة ومثل هذا ما يحدث بشكل كبير في منافذ معاملات الاستثمار لإنجاز مشاريع عاجلة.
وقد يدفع الطمع لاستغلال الفرص الكبيرة للربح السريع من خلال العقود الحكومية والمشتريات والتراخيص، كما يحدث الآن في بعض مؤسسات الدولة والتي تم الكشف عنها ومعاقبة مرتكبيها من خلال حملة (صولة الفجر) لمطاردة ومحاكمة بعض الفاسدين، يضاف إلى تلك الأسباب تسويغ بعضهم لممارسة الفساد بأنه نتيجة اللامساواة الاقتصادية التي تزيد من قبول أو ممارسة الفساد في بعض السياقات وهو التسويغ الذي يتخذه الفاسدون ذريعة لممارسة فسادهم. وغالبا ما يكون مفتاح طريق الإفساد المخطط له كما في العراق من خلال تعيين المسؤولين على أساس الولاء السياسي أو العائلي أو الطائفي بدلاً من الكفاءة، وانتشار شبكات المحسوبية (الزبائنية) التي تربط الخدمات العامة بالدعم السياسي، وحماية الفاسدين من قبل جهات نافذة أو أحزاب، مما يخلق ثقافة الإفلات من العقاب. وربما يكون من طرق منع الإفساد السماح للصحافة الحرة والمستقلة القادرة على كشف الفساد، وعدم إضعاف أو تقييد منظمات المجتمع المدني والرقابة الشعبية، وتوسيع آليات الإبلاغ الآمنة عن المخالفات وحماية المبلغين لأن ضعف هذه الفعاليات يكون طريقا للإفساد الذي يمهد الفساد الأوسع.
ولتوسيع دائرة مكافحة الفساد لابد من تطبيع المجتمع على رفض بعض الممارسات الفاسدة اجتماعياً مثل “الواسطة” أو الهدايا مقابل الخدمات، وتوسيع الوعي العام بحقوق المواطن وواجبات المسؤول، ومنع أن يُنظر إلى المنصب العام كفرصة للثراء الشخصي أكثر من كونه خدمة عامة، ويكون تشديد العقوبة للمسؤول الفاسد هو مفتاح تحريك الوعي المجتمعي ضد ظواهر الفساد.
والأهم من ذلك الحراك الثقافي الإعلامي المجتمعي، ما يقع على عاتق الدولة خاصة في ظل غياب أنظمة حديثة للرقمنة والحوكمة الإلكترونية التي تقلل من التفاعل المباشر بين الموظف والمواطن، وتشديد عقوبات رادعة وسريعة وفعالة، أو تطبيق انتقائي للقانون، ومنع أو تقليص الصراعات السياسية التي تؤدي إلى عدم الاستقرار الذي يضعف التركيز على الإصلاح المؤسسي.
كل هذه الأسباب تتفاعل مع بعضها، لتأمين آلية مكافحة الفساد تتطلب من خلال تعزيز الشفافية، ورفع كفاءة المؤسسات، تحسين الأجور مع ربطها بالأداء، استقلالية الرقابة والقضاء، وتشجيع المساءلة الشعبية والإعلام الحر.