كاظم المنظور صانع شعر.. وثمة من هو شاعر صنع

مقالات 18 September 2026
بقلم: حسن كاظم الفتال

بداية أود التنويه إلى أن هذا الموضوع نشر في جريدة كربلاء بالعدد 78 الصادر في ٢٢/ كانون الأول/ ٢٠٠٢ – ١٨/ شوال/ ١٤٢٣

جاء فيه:

رغم ان الشعر الشعبي الحسيني بخصوصيته ثبت في سجل الأدب علامة مضيئة تفتقر لها أدبيات أمم أخرى.

ورغم الدور الذي لعبه هذا الأدب في رفد الحركة الأدبية في جعل المنبر منتصبًا محتفظا بديمومته ولكن افتقر أحيانا إلى التلاقح الفكري والفني والاجتماعي حتى أوائل القرن العشرين. إذ أسفر تعاقب المراحل عن انفلات مواهب كانت تنتظر مخاضًا زمنيا مقدسًا لتخرج من رحم النضوج بشكل متبلور. إذ برز شعراء أوفر إمكانية وأجزل مقدرة ولعل في مقدمتهم الشاعر الحسيني الكربلائي الكبير المرحوم كاظم المنظور الذي أوجد التجانس بين البيئة الإنسانية والبيئة الشعرية وربما كان أول من زوق القصيدة بديباجة المصطلحات العلمية والادبية والثقافية وغيرها وقد كان دقيقا وصائبا وموفقا في توظيفها توظيفا مناسبا.

وكان سباقا في اختراق حاجز التقليد والتكرار الممل وتخفيف وطأة علاقة شعر الحاضر الحميمة بالماضي المنكمش الحذر من الخروج على القاعدة فشرع أبواب الانفتاح في اختيار الاستعارات الأنيقة والكنايات الرشيقة والتشبيه اللائق وتحطيم أسوار التقليد المفرط واعتماد الرشاقة والأناقة في رسم صورة الحزن التي كانت أشبه بفنار القصيدة الحسينية .

فهو بشمس الحداثة إزاحة الضباب عن الصورة الحزينة البائسة التي باتت تعاني من الترهل وأعاد الشباب لهيكل القصيدة التي داهمتها شيخوخة كادت تودي بها إلى أرذل العمر وأطر القصيدة برونق المفهوم العصري المتحضر الجميل لتحقق انتشارا أوسع من ذي قبل وبذلك تربع على عرش الحداثة ولم يكن ذلك مجرد ادعاء او إجراء فعلٍ عشوائي كما يفعل البعض. وللتوضيح وتعريف الحداثة وماهيتها سنأتي في وقت آخر على ذلك .

ان الحديث عن تفعيل المنظور. للحداثة وانعكاساتها الإيجابية على حاضر الشعر ومستقبله ترك الاثر الكبير في عالم الأدب الشعبي الحسيني. فمفردة الكهرباء مثلا جعل منها عضوا جميلا من أعضاء هيكل القصيدة بل مكملا للجمالية والتناسق والانسجام الرائع.  ولا ننسى أن التيار الكهربائي كان حينها حديث عهد في وصوله بعض المناطق دون غيرها وقد حلٌ ضيفا كريما جليلا محترما استضافه بعض الناس للتو ومن الناس من كان ينظر إلى المصباح نظرته لإعجوبة من عجائب الدنيا .

فإن عبقرية المنظور في إختيار الاستعارات الجميلة والكنايات الرشيقة اصبحت مبررا في أن تحتل هذه المفردة مكانا مناسبا في جسد النص الشعري إذ جعل من الكهرباء وقوة جذبه للأجسام التي تقترب منه أو تلامسه أداة ربطٍ مهمة بل واجبة الوجود تبعث الروح في جسد القصيدة الرصين ويمنحه حياة يطول أمدها. والمصباح الذي يضيء سناؤه كلَّ دجى . ذلك الذي يستمد نوره بواسطة الكهرباء وبذلك قد أفلح في إحداث صعقة مباركة للأحاسيس والهواجس في كهربتها بصورة علاجية نافعة وأضاءت مجاهل النفوس.

 أربعطعش مصباح

من نور القدس تزهر

من بطن مشكاة الحِكم

ضيهم يجذبونه..

يا علي المعبود بيكم تمم أخلاق البرية

وجعل بالخمسه الحواس 

إحساس روح البشريه

بكهربائية المحبة نشأ قوه جاذبيه.

لقد استعار بمفردة المصباح عن المعصوم حيث أن المعصومين الأربعة عشر هم أنوار الهداية التي تضيء الدرب للسالكين طريق الهدى والنجاة.

والحال نفسه في استخدام مفردة المطبعة.

أخذ من حيدر شهاده بضمن قانون العداله.

بيها رسمك يطبعون بمطبعة ذات الجلاله 

وجعل مفردة الصاروخ حالها حال سابقاتها.

لو طلگ بالحرب رمحه گطع گلب الجاهليه

ومن يصيح الله أكبر صعد صاروخ المنيه.

وبهذا أرسى الشاعر الحسيني كاظم المنظور قواعد الحداثة في الشعر الشعبي الحسيني ورحل وترك باب فردوس الحداثة مفتوحا على مصراعيه. وتزاحم الراغبون الولوج وكلٌ يود الدخول قبل أن يفلح في استلام مفاتيح أسرار المناجات التي تسر القلوب. والكثير ممن ادعى كان ولا يزال تلميذا بارا للمنظور وصار هذا الادعاء يتكرر حتى من قبل من كان يلهو في دنيا بعيدة عن دنيا المنظور وصار البعض يعني عنده مفهوم التلمذة التقليد وأن يعيد ما أورده المنظور سابقا وينسبه لنفسه حتى وان كان بشكلٍ آخر.

لذا قد شرع هذا المدعي أو المقلد بالاهتمام بتزيين القصيدة ولكن بالتلاعب بالألفاظ وحشو القصيدة بالألغاز وربما يمكن أن نعدها طلاسم من خلال بناء قصيدة مزدحمة بمفردات ربما لا مبرر لتواجدها.

فإن البترول والكهرومغناطيسية أو الكمبيوتر الذي أوشك أن يحتل مكان التلفاز العادي في البيوت والصاروخ والكاميرا والمدفع وغير هذه المفردات من مثيلاتها ليست عناصر مفاجأة خصوصا عندما لم تكن موظفة توظيفا متقنا محكما وربما لا تنفع لأن تخلق من قائلها شاعرا يتسم بمزايا يشير إليها الناس بالبنان ويسمونه مجددا سائرا في ركاب الحداثة.

فخصائص القصيدة الحسينية لا تنم بأية صلة للقصيدة الاقتصادية او السياسية أو العلمية ـ إن صح التعبيرـ رغم إنها غالبا ما تشير إلى هذه الأمور وتتعرض لها. لذا نجد البعض عندما ينهمك في إقحام المفردة دون أي توظيف وينشغل بتجهيز القافية منساقا خلف همهمة البحث عن مصطلحات وأسماء يظن أنها تجمل صورة قصيدته لجذب المتلقي دون أن يدرك أن هذه المفردات بازدحامها المكرر تجثو على جسد القصيدة فتكتم أنفاسها فتموت وهي في المهد وهذا الصنف قد أصر في أن يتخذ من مخيلته جهاز استنساخ يحفظ فيه قصيدة للمنظور فتخرج مع كثير من التشوهات وربما خيل له بأن التحرر غير المشروع من ضوابط العروض وقيودها المفروضة والخروج على قانون ضبط التفعيلة ومخالفة أوامر وحدة الموضوع وإن التنقل غير المتزن وغير الجدي والمجدي أو بالأحرى القفز من فكرة لأخرى في الصياغة داخل دائرة القصيدة الواحدة بأسلوب يتعمد فيه المشاكسة بل يجهر بإظهارها متعقدا بأن مشاكسته في إحداث خربشة بدلا من النقوش المألوفة الجميلة ستضفي رصانة للقصيدة ومتانة في بنائها المعماري. ولكن سرعان ما يفضحه هذا التلكؤ حين ينتصب هيكل القصيدة ببناء هش آيل للسقوط .. واضح للعيان تماما إذ كل من يمر يراه هزيلا عندها يكتشف المتلقي جفاف مناهل الموهبة وانقطاع الوحي الشعري وتوقفه فهو بلغ الشيخوخة التي حذفت من ذاكرته وانسته الكثير من صور الإبداع وغيرت المنهجية الواجبة الوجود فجعله ينحو اتجاها مغايرا للوعود التي قطعها على نفسه أمام الآخرين في انه سيتبنى إنشاء فردوس الحداثة والتجديد وينزع جلباب التقريرية والخطابية التي أبت أن تفارقه أبدا.وتتكرر المحاولات في إعادة نشاطه الفني والأدبي ليلهث سعيا وراء الحصول على ثناء الآخرين ومطالبتهم المديح والتصفيق بأيدٍ هرمة ناحلة.

وقد صار يزداد ابتعادا وغربة. وهذا الإحساس الذي يكبر في نفسه يوما بعد يوم يجعله يتشبث باي قشة سذجة تنقذه من الغرق في غياهب العزلة.

عله يجد من يعينه فيمد له يد المجارات والمجاملة شفقة عليه ولكن على حساب إخماد أصوات يفترض لها أن تظل تصدح بعذوبة ورقة عندليبية وبعيدة عن الخربشة والتخبط فإن كهربائية الشعر الشعبي الحسيني نلمسها أكثر قوة وفاعلية بين صفوف الشباب الموهوبين ممن اتجهوا بنكران ذات والتجرد من النرجسية والأنا بحس مرهف وبولاء حسيني في رسم صورة بأبعاد متباينة تشرئب الرقاب طويلا لتأملها ومشاهدتها بتأن طويل فتبعث السعد والانشراح مع ذرف الدمعة الساخنة.

وان مصوري الأحداث والمشاهد لواقعة الطف هم فنانون أتقنوا صنعة اختيار الألوان مثلما أحسنوا وأبدعوا في كيفية مزجها للحصول على رسم يتعذر على غيره الحصول عليه حتى وان حاول البعض أن ينشر على إبداعات هؤلاء سحابات كبريائه أو غمامات اتهامات جائرة ببهتان متعمد على صيغة نصائح ورغم هذا ظل بريق ألوانها يشع ليسر الناظرين.

فان للشعر الشعبي الحسيني عناصر ومقومات ومؤهلات كامنة في الضمائر وسويداء القلب لا يتيسر امتلاكها إلا للمحبين المخلصين.