المستشار.. منصب خارج نطاق التغطية
المستشار في الدولة الحديثة ليس لقباً تشريفياً ولا وظيفة لملء الفراغ، إنه خبير يُفتَرَض أن يضيف معرفة حقيقية إلى صناعة القرار، وأن يقدم للحكومة رأياً وتحليلاً وخبرة لا تتوافر بالضرورة داخل الجهاز التنفيذي ولذلك فإن قيمة المستشار لا تقاس بقربه من المسؤول، ولا بعدد الاجتماعات التي يحضرها، ولا بانتماءاته الحزبية وإنما بما يقدمه من معرفة وحلول وقرارات قد تغير الحال بشكل ايجابي.
يبدو أن المناصب لا تنتهي في العراق، حتى عندما تنتهي الحاجة إليها، فكل يوم يظهر عنوان وظيفي جديد يُفَصَّلْ على مقاس شخصية معينة وليس على واقع يهم الصالح العام، ومن أكثر العناوين الوظيفية التي تستحق المراجعة والوقوف عندها هي وظيفة (مستشار) التي من الضروري أن تكون موقعاً مهنياً يُسند إلى أصحاب الخبرة والاختصاص وليس وظيفة لإرضاء جهة سياسية معينة.
هذه الوظيفة الحساسة تحولت وللأسف من منصب عالي الأهمية إلى مجاملة لإرضاء القوى السياسية ودخلت في خانة المكافآت والهبات التي فرضتها سياسة المحاصصة التي ابتلعت مناصب أخرى مهمة وحساسة مثل منصب الوزير والسفير والوكيل والتي صارت تمنح على اساس التوافقات السياسية والثقل الطائفي والقومي لا على اساس الكفاءة العلمية والمهنية حتى تحولت بعض الوزارات الى ما يشبه الأملاك الخاصة لقومية أو طائفة معينة او حزب او تيار سياسي معين فصار بعض أبناء واقارب شخصيات دينية او سياسية أو قومية وزراء ووكلاء وسفراء بغض النظر عن الخبرة السياسية والدبلوماسية والمهنية.
ان المنصب هنا يفقد معناه ويتحول من أداة لمساعدة الدولة إلى عبء مالي إضافي عليها، الأسوأ من ذلك أن يصبح الانتماء السياسي أو القرب من جهة نافذة أهم من الكفاءة والخبرة! والأخطر من هذا وذاك هو ضعف الشفافية في هذا الملف! فالمواطن لا يعرف بصورة واضحة كيف توزع تلك المناصب وعلى من وكيف، في الوقت الذي يعاني فيه من لا يمتلك الواسطة او ليس لديه انتماءات حزبية أو تربطه صلة قربى بمسؤول ما في الحصول على وظيفة بسيطة!
لا أعتقد ان هناك عراقي يعرف عدد مستشاري الرئاسات الثلاث والوزارات ومؤسسات الدولة غير المرتبطة بوزارة، ولا أحد يعلم ماهي طبيعة مهامهم، وماهي كلفة وجودهم، والأهم من ذلك، النتائج التي حققوها؟!
العراق اليوم وبعد اكثر من عقدين من الزمن ليس بحاجة إلى المزيد من الألقاب والمكاتب والوظائف الفضفاضة التي لا معنى لها بقدر حاجته إلى الخبرة التي تنتج قراراً أفضل وتحقق تتائج ملموسة على أرض الواقع، والمواطن العراقي لا يطلب رفاهية الأماراتي في أن تكون له وزارة للسعادة أو ان تكون حياته بمستوى حياة القطري في أن يكون له ولاحفاد احفاده صناديق استثمارية لتأمين حياتهم لقرون قادمة ولا يحتاج الى جواز يشبه الجواز السنغافوري ليدخل كل دول العالم دون تأشيرة دخول انما يحتاج الى خدمات وبنى تحتية وفرص عمل توفر له ولعائلته حياة حرة كريمة، فوظيفة المستشار لا تحقق له تلك المطالب البسيطة التي يتمتع بها من يعيش في بلد غني مثل العراق انما تتحول الى وسيلة لاستمرار المحاصصة المقيتة وتساهم في تفشي ظاهرة المجاملة السياسية وبالتالي تشكل استنزافاً للمال العام من دون تحقيق أي قيمة مضافة.
لا يعني ذلك أن الدولة لا تحتاج إلى مستشارين، على العكس، هناك ملفات معقدة في الاقتصاد والطاقة والاستثمار والقانون والعلاقات الدولية والدفاع والإدارة والأمن الغذائي والزراعة والصناعة وغيرها تحتاج إلى خبراء متخصصين ومستشارين أكفاء، وقد يكون من الضروري أحياناً الاستعانة بخبرات دولية رفيعة المستوى لتطوير واقع البلد وهذا معمول به في جميع الدول المتقدمة، لكن الاستعانة بالخبير والمستشار شيء، وتحويل هذا المنصب إلى منصب عائم يوزع كيفياً لمن لا يمتلك الخبرة اللازمة شيء آخر تماماً.
ليس المطلوب إلغاء وظيفة المستشارين ودورهم، إنما إنهاء ثقافة المستشار كمنصب للمجاملة السياسية دون فائدة وكأنه هاتف محمول خارج نطاق التغطية، لا يتصل ولا يستقبل!!!
ينبغي أن يكون لكل مستشار اختصاص وتوصيف وظيفي واضح وخلفية علمية وعملية تتناسب مع عنوانه، وان يكون اختياره لمهمة محددة، ولمدة زمنية معينة، وبمؤشرات أداء ملموسة وفاعلة، وأن تتناسب امتيازاته المالية والمعنوية مع خبرته ومسؤوليته، وأن تكون بيانات تعيينه واختصاصه وكلفة مهمته ونتائج عمله قابلة للتدقيق والمساءلة، كما ينبغي أن تتوقف الدولة عن التعامل مع المناصب الاستشارية باعتبارها مكافآت سياسية أو وسائل لإعادة تدوير نفس الشخصيات والوجوه بين المواقع، فمن غير المنطقي أن يغادر مسؤول منصباً دون أن يقدم أي نتيجة ملموسة ثم يعود إلى الدولة بعنوان جديد، أو أن يحصل شخص على موقع استشاري لمجرد قربه من حزب أو شخصية تتمتع بزعامة سياسية أو دينية أو قومية، بينما يوجد من العراقيين، سواء في الداخل أم في الخارج، آلاف الأكاديميين والخبراء وأصحاب التجارب الطويلة الذين يمكن أن يقدموا قيمة حقيقية للدولة ويغيروا الواقع المزري الى واقع آخر يتناسب مع قيمة البلد التاريخية وامكاناته المادية.
العراق اليوم مثقل بالمناصب واللجان والمكاتب والهيئات والرتب العسكرية، بينما لا تزال مشكلاته الأساسية قائمة ومزمنة. خدمات متعثرة، بيروقراطية، بطالة، ترهل وظيفي، فساد، ضعف في الإدارة، اقتصاد ريعي يعتمد بشكل كامل على النفط، وفي ظل هذه التحديات، يصبح كل دينار يُنفق من المال العام بحاجة إلى مبرر واضح، وكل منصب بحاجة إلى مهام حقيقية، وكل مسؤول بحاجة إلى نتيجة يمكن قياسها.
الدولة لا تُقاس بعدد مستشاريها ولا بعدد مكاتبهم، وإنما بما تقدمه لمواطنيها، والمستشار الحقيقي هو من يترك أثراً في القرار، لا من يترك اسمه في قائمة الرواتب، والعراق بحاجة إلى تقليل كلفة السلطة وزيادة قيمة الأداء، وإلى استبدال منطق توزيع المناصب على اساس المجاملة السياسية والمحاصصة الى منطق الكفاءة والخبرة والإنجاز والمساءلة، فالعبرة ليست أن يكون لدى الدولة فريق كبير من المستشارين العاطلين الذين يستنزفون موارد الدولة وأموال الشعب انما العبرة بالنتائج. وعندما يصبح المنصب غاية بحد ذاته، تتحول الاستشارة من وسيلة لإصلاح الدولة إلى جزء من المشكلة التي تحتاج الدولة إلى إصلاحها.