قرار السيادة وسيادة القرار
حين تُحتل الأوطان وتُسلب إرادة الشعوب على يد دولة ذات سجل حافل بالممارسات الاستعمارية التعسفية، تعيش تلك الشعوب لحظات من الانتظار والأمل بالخلاص من تلك الهيمنة، والسعي إلى انتزاع حريتها واستقلالها واستعادة قرارها الوطني،
لذا أصبح من الضرورة الوطنية أن يستعيد العراق استقلاله وسيادته الكاملة على أرضه وموارده من جديد، وأن يستقل بقراره السياسي والاقتصادي بل والاجتماعي أيضاً.
إن الانسحاب العسكري الأمريكي من العراق يمثل خطوة باتجاه تعزيز السيادة العراقية، كما أنه يبعث برسائل اطمئنان إلى دول المنطقة ولا سيما أن استقرار العراق وأمنه يرتبطان بصورة مباشرة بأمن محيطه الإقليمي.
فبعد مضي أكثر من عقدين على احتلال العراق، أو «تحرير العراق» كما يحلو للبعض أن يسميه، وما رافق ذلك من تبعات أسهمت في تعقيد المشهد السياسي والاجتماعي العراقي، وفي مقدمتها التدخلات الخارجية وما أفرزته من انقسامات بين مكونات الشعب العراقي ما زالت الحكومة العراقية تواجه تداعيات تلك المرحلة رغم الجهود التي بُذلت من أجل تجاوز مخلفاتها الاجتماعية والسياسية.
إلا أن ذلك يفرض تساؤلًا مشروعاً حول مدى قدرة العراق في ظل الظروف السياسية والأمنية الراهنة على تحمّل مسؤولية حماية سيادته والحفاظ على استقلال قراره مع وجود تحديات إقليمية ودولية تحيط به من كل جانب،
فثمة مخاوف لدى البعض من أن القوات العراقية رغم تطورها إلا أنها لازالت تعاني من ثغرات في منظومة الدفاع والرصد والاستطلاع الجوي المتقدم وعملية المسح الحساسة وقد يمنح ذلك خلايا داعش فرصة لإعادة تنظيم صفوفها واستئناف نشاطها الإرهابي خصوصاً في المناطق الرخوة أمنياً.
وبمعنى آخر هل يمتلك السياسي العراقي صاحب القرار معطيات واقعية بحيث يصبح العراق قادراً على اتخاذ قراراته وتحمل مسؤولياته من دون أن يجد نفسه مضطراً إلى التراجع عنها أو الانصياع للضغوط الخارجية؟ وهل تكفي السيادة بمفهومها المتداول إذا ظل القرار الوطني عرضة للتأثيرات والضغوط الدولية،
وأمام هذه المعطيات نجد أنفسنا أمام سؤال آخر أكثر أهمية: هل جاء قرار إخراج القوات الأجنبية في إطار مبدأ التوافق السياسي الذي بُنيت عليه العملية السياسية منذ بدايتها بحيث تدعم مختلف المكونات قرار خروج المحتل كي يتسنى للعراق أن يبني دولته وفق رؤى موحدة تُسهّل أمامه عملية الانتقال بسلاسة ونجاح إلى شراكة أمنية ثنائية بين بغداد وواشنطن؟ بينما يرى البعض أن اتخاذ قرار إخراج القوات الأجنبية قد لا يكفي لكي نعلن أننا استعدنا سيادتنا ثم نترك لما بعد ذلك مهمة معالجة ما يترتب على القرار من تحديات دون رؤية واضحة تسبق هذا القرار؟
إن مفهوم السيادة لدى بعض القادة العراقيين ما زال مفهوماً ثورياً يُختزل في خروج القوات الأجنبية وإقامة الاحتفالات الرسمية وعزف النشيد الوطني ثم إذا استجدت أمور أو ظهرت تحديات نرى بعد ذلك كيف يمكن معالجتها !
اما في نظر البعض فالسيادة ليست مجرد رفع العلم أو رحيل القوات الأجنبية وإنما هي امتلاك القرار السياسي والاقتصادي والأمني، وقدرة الدولة على حماية مصالحها الوطنية وإدارة شؤونها بعيداً عن الإملاءات الخارجية والشروع في اتخاذ الخطوات الصحيحة لإحداث تنمية اقتصادية تحقق الأزدهار والتطور في البلاد،
فمن الأهمية بمكان أن يمتلك العراق اليوم رؤية واضحة لمستقبله السياسي والأمني
وأن يضع تصوراً واقعياً لمتطلبات المرحلة المقبلة ويقوم على تعزيز قدراته الدفاعية والأمنية وحماية حدوده وسيادته،
وأن يعيش الشعب العراقي في ظل هذه الرؤية موحداً من دون انقسامات مجتمعية تضعف نسيجه الاجتماعي وبالتالي تضعف قراره السياسي.
ففي كل الأحوال خروج القوات الأمريكية من العراق في الثلاثين من أيلول يمثل نقطة تحول مهمة في تاريخه الحديث تضع الشعب العراقي وحكومته أمام اختبار تاريخي حقيقي لإثبات قدرتهما على تحمل مسؤولية القرار الوطني وصيانة سيادة البلاد وبناء دولة قادرة على حماية أمنها ومصالحها بعيداً عن أي وصاية أو تبعية ومن دون الحاجة إلى طلب المساعدة من أي جهة أجنبية أخرى وان يستطيع العراق حكومةً وشعباً بالاعتماد على قدراته الذاتية في إدارة شؤونه من دون أن يسمح بالتدخلات الخارجية كي لا يمنح الدول ذريعة انتهاك سيادته الوطنية ،
فالعراق الذي ينتمي إلى حضارة تمتد جذورها في أعماق التاريخ لا ينبغي أن تكون سيادته مجرد شعار بل ممارسة حقيقية لقرار الاستقلال يتجسد فيها حب العراقيين لبلدهم وإصرارهم على بناء نهضته وصون قراره الوطني بما ينسجم مع تاريخه الحضاري العريق،