الهروب من "Waze".. هل يحمي الحظر الخصوصية أم يُغير وجهة البيانات ويُربك الشارع؟

تقارير 07 October 2026
تتجه وزارة الاتصالات إلى حظر تطبيق الملاحة “Waze” بنهاية كانون الأول من العام الحالي أو مطلع العام المقبل، بدعوى أن منشأه إسرائيلي، داعية إلى الاعتماد على Google Maps وبديل محلي مرتقب. وفيما يرى خبراء تقنيون أن المعركة الحقيقية تكمن في حوكمة البيانات والسيادة الرقمية لا مجرد تطبيق، يحذر خبراء اقتصاديون من إرباك قطاع النقل والتوصيل وخسائره المادية إذا غاب البديل الكفء.

تحديات البديل الوطني

وأعلن وزير الاتصالات مصطفى سند، أمس الثلاثاء، توجه الوزارة إلى حظر تطبيق “Waze” في العراق ابتداء من مطلع عام 2027، عازياً القرار إلى ما وصفه بـ”المنشأ الإسرائيلي” للتطبيق، وفيما أكد أن تنفيذ الحظر سيبدأ مع مطلع العام المقبل، لكنه عاد وأعلن تقديم موعد رفع الحظر من بداية عام 2027 إلى نهاية كانون الأول من العام الحالي.

وأشار سند إلى وجود بدائل متاحة أمام المستخدمين، من بينها “خرائط غوغل” إلى جانب تطبيقات عراقية محلية.

ويقول المتحدث الرسمي باسم وزارة الاتصالات عمر العامري، أن البديل عن تطبيق Waze سيكون برنامجاً عراقياً بتقنية عراقية متمكنة في مجال التطبيقات الرقمية، مؤكداً أنه لن يواجه مشاكل أو تبعات تقنية لاحقا.

لكن الخبير التقني مصطفى كامل الشريف، المدير التنفيذي لمركز الدراسات الاستراتيجية والتكنولوجية “iTSSC”، يؤكد، أن ”الأمر يتجاوز إنشاء تطبيق ووضع خريطة وشعار عراقي عليه، إذ تحتاج منظومة الملاحة الوطنية إلى قاعدة بيانات جغرافية دقيقة، وشبكة طرق رقمية محدثة، ونظام وطني للعناوين، ونقاط اهتمام POI، ومحرك لحساب المسارات Routing Engine، وبيانات لحظية لحركة المرور والحوادث والإغلاقات، فضلا عن بنية تحتية وآليات تحديث مستمرة”.

ويشدد على أن ”القضية أكبر من تطبيق Waze، وأن السؤال الحقيقي يتمثل في مدى امتلاك العراق سياسة وطنية لحوكمة بيانات العراقيين والبيانات الجيومكانية، ومعايير موحدة لتقييم التطبيقات، وقدرة تقنية وقانونية لمعرفة ما تجمعه هذه التطبيقات، وأين تخزن البيانات، وإلى أين تنتقل، ومن يستطيع الوصول إليها، ومن هذه النقطة يبدأ مفهوم السيادة الرقمية والأمن القومي الرقمي الحقيقي”.

مشكلة سيادة البيانات

ويضيف الشريف، أن ”حظر تطبيق Waze وحده لا يعالج أصل المشكلة من الناحية التقنية، إذا كان المبرر حماية بيانات الموقع والحركة داخل العراق، صحيح أن الحظر قد يقلل حجم البيانات الجديدة التي يحصل عليها التطبيق من المستخدمين العراقيين، لكنه لا يمنع جمع هذا النوع من البيانات، ما دامت تطبيقات الخرائط والملاحة والخدمات الرقمية الأخرى تجمع بيانات مماثلة”.

ويرى، أن ”انتقال المستخدم بعد حظر Waze إلى استخدام Google Maps، كما اقترح وزير الاتصالات، أو إلى أي تطبيق ملاحة أجنبي آخر يجمع ويعالج بيانات الموقع والحركة، يعني أن العراق لم يعالج مشكلة سيادة البيانات، وإنما غير مزود الخدمة”.

ويبين الشريف، أن ”سياسة الخصوصية الرسمية لـWaze توضح أن التطبيق يستطيع، وفقاً لطريقة الاستخدام والإعدادات، جمع بيانات تفصيلية عن الموقع والرحلات والمسارات عبر GPS وحساسات الجهاز، فضلاً عن التوقيت وعنوان IP ومعلومات الجهاز وسجل الرحلات وعمليات البحث والوجهات والبلاغات المتعلقة بالطرق والازدحامات والحوادث”.

وينبه إلى أن ”القيمة الأمنية لهذه البيانات لا تقتصر على معرفة موقع مستخدم منفرد، وإنما تكمن في التجميع والتحليل، إذ يمكن، عند جمع بيانات حركة أعداد كبيرة من المستخدمين على مدى فترة زمنية طويلة، تحليل أنماط الحركة والمسارات وأوقات الذروة والتغيرات غير الطبيعية، فيما تزداد قيمة هذه المعلومات عند دمجها مع مصادر بيانات أخرى”.

المصادر المعلوماتية لإسرائيل

ويرفض الخبير التقني “تصوير Waze على أنه المصدر الذي تتوقف عليه قدرة إسرائيل على جمع المعلومات الجغرافية عن العراق، لأن إسرائيل تمتلك أصلاً قدرات متقدمة في الاستخبارات الجغرافية المكانية GEOINT والاستخبارات البصرية VISINT، ومنظومة أقمار الاستطلاع Ofek، ومنها أقمار رادارية تعمل بتقنية SAR، فضلاً عن الوحدة 9900 التابعة للاستخبارات العسكرية والمتخصصة في المجالات الجغرافية والبصرية والفضائية. أما بيانات تطبيقات الملاحة المدنية فهي قد تمثل مصدراً إضافياً ذا قيمة، لكنها ليست المصدر الوحيد لهذه القدرات”، على حد قوله.

ويطرح الشريف تساؤلاً بشأن “امتلاك العراق منظومة قانونية ورقابية متكاملة لمتابعة التطبيقات التي تعمل داخله والبيانات التي تجمعها عن العراقيين؟”، لافتاً إلى أنه سبق أن قدم شخصياً تقارير إلى جهات أمنية عراقية مختصة بشأن عدد من التطبيقات واسعة الاستخدام داخل العراق، ونبه خلالها إلى مخاطر مرتبطة بتخزين ومعالجة بيانات العراقيين خارج البلاد، وما يمكن أن يترتب على ذلك من إشكالات تتعلق بخصوصية البيانات وسيادتها.

ويعرب الخبير التقني عن أمله في أن يدفع النقاش الحالي بشأن Waze الجهات المختصة إلى إعادة النظر في الملف بصورة أشمل، وإجراء مراجعة فنية وقانونية للتطبيقات التي تعمل داخل العراق وتجمع بيانات المواطنين، بدلاً من حصر القضية في تطبيق واحد.

وبدأت قصة تطبيق “Waze” من إسرائيل، حيث تأسست شركة “Waze Mobile” المطورة له، قبل أن تستحوذ عليها شركة “Google” عام 2013. ويعمل التطبيق على الهواتف الذكية والحواسيب اللوحية التي تدعم نظام التموضع العالمي، ويوفر معلومات تفصيلية عن المنعطفات وأوقات الرحلات والمسارات، مستنداً إلى معلومات الموقع التي يجمعها عبر الشبكات المتنقلة.

وبعد أكثر من عقد على انتقال ملكيته إلى “Google”، تحول التطبيق إلى واحد من تطبيقات الملاحة المستخدمة على نطاق واسع داخل العراق ودول أخرى، إذ يعتمد عليه المستخدمون لمعرفة حركة المرور وتجنب الازدحامات واختيار الطرق البديلة، فيما أثارت خصائصه خلال الفترة الماضية نقاشات أمنية بشأن إمكانية الاستفادة من بيانات الحركة في تقادي نقاط التفتيش والسيطرات.

حوكمة البيانات بدل الحظر

وفي هذا الإطار، يدعو الشريف إلى ”الانتقال من سياسة حظر تطبيق إلى سياسة حوكمة البيانات، بحيث يخضع أي تطبيق يعمل في العراق، بصرف النظر عن جنسية الشركة المالكة، لمعايير تحدد نوع البيانات التي يجمعها، ومكان تخزينها ومعالجتها، وآليات نقلها عبر الحدود Cross-Border Data Transfer، والأطراف التي تصل إليها، ومدة الاحتفاظ بها، إلى جانب إجراء تقييم للمخاطر Risk Assessment وتحليل صلاحيات التطبيق واتصالاته ومكتباته البرمجية SDKs ومسارات انتقال البيانات”.

أما بالنسبة إلى المؤسسات الحكومية والعسكرية والأمنية والبنية التحتية الحرجة، فيشدد على “ضرورة اعتماد ضوابط أكثر صرامة، من خلال إدارة الأجهزة MDM، وتحديد التطبيقات المسموح بها Application Allowlisting، ومنع تطبيقات الموقع والملاحة غير المعتمدة على الأجهزة الحساسة، فضلا عن عزل البيانات والأنظمة وفقا لدرجة حساسيتها”.

ويؤكد الخبير التقني، أن ”تحديد ملكية التطبيقات ومسارات انتقال بياناتها ممكن قانونياً وفنياً عبر سجلات الشركات وسياسات الخصوصية، وتحديد الجهة المتحكمة بالبيانات Data Controller والجهات التي تعالجها Data Processors، ثم تحليل اتصالات التطبيق والخوادم والنطاقات وعناوين IP وواجهات API والمكتبات الخارجية المستخدمة”.

ويردف، أن ”تنفيذ ذلك بصورة مؤسسية يحتاج إلى جهة وطنية مختصة وقدرات أو مختبرات دائمة لتقييم أمن وخصوصية التطبيقات، حتى يصبح قرار السماح أو التقييد أو الحظر مبنيا على تقييم مخاطر موثق ومعيار وطني يطبق على الجميع، وليس على تطبيق واحد فقط”.

تعطيل أعمال وخسائر مالية

من جانبه، يحذر الخبير الاقتصادي كريم الحلو، من أن ”حظر تطبيق Waze من دون توفير بديل مسبقاً قد يؤدي إلى تعطيل أعمال وخسائر مالية، ولا سيما في قطاعات النقل والتوصيل التي تعتمد بصورة واسعة على تطبيقات الملاحة”.

ويضيف، أن ”أعداداً كبيرة من سائقي سيارات الأجرة والعاملين في خدمات التوصيل يعتمدون على هذه التطبيقات لاختيار الطرق المختصرة وتجنب الازدحامات، ما يجعل توقفها مؤثراً في طبيعة عملهم ووقتهم”.

ويشدد على ضرورة “توفير البديل قبل تنفيذ الحظر، بحيث يكون التطبيق البديل متاحاً للمستخدمين ويؤدي الوظائف نفسها، لتجنب تعطيل أعمال شريحة واسعة تعتمد على خدمات الملاحة في نشاطها اليومي”.

وبذلك، ينتقل الجدل بشأن تطبيق “Waze” من أصل التطبيق وملكيته إلى سؤال أكثر ارتباطاً بالمستخدم العراقي: هل ينتهي الملف بمجرد حظر تطبيق واحد، أم أن الاختبار الحقيقي يبدأ بقدرة البدائل على تقديم الخدمة نفسها من دون خلق فراغ تقني لدى مستخدمي الملاحة الرقمية؟





المصدر: العالم الجديد