موازنة 2027.. إنفاق أكبر بلا إصلاح واضح

مقالات 10 October 2026
بقلم: د. بلال الخليفة

بعد الاطلاع على الأرقام الأولية لموازنة العراق لعام 2027 والتي هي غير رسمية والتي تم نشرها من بعض الإعلاميين والمسؤولين ، يتبين لنا عن استمرار النهج المالي نفسه الذي رافق الموازنات السابقة جميعا والمتمثل في توسيع الإنفاق الحكومي (بالخصوص حجم تخصيصات الرواتب والتقاعد والرعاية الاجتماعية) من دون معالجة الاختلالات الهيكلية التي يعاني منها الاقتصاد العراقي وفي مقدمتها الاعتماد المفرط على النفط وتضخم النفقات التشغيلية وضعف الإيرادات غير النفطية.

مع العلم ان النفقات العامة المقترحة قد بلغت 217.239 تريليون دينار، مقابل إيرادات متوقعة قدرها174.234 تريليون دينار، أي ان العجز المخطط يبلغ نحو43 تريليون دينار. وبالمقارنة مع موازنة عام 2023، التي بلغت نفقاتها نحو 199 تريليون دينار، فإن الإنفاق المقترح لعام 2027 أعلى بنحو 18 تريليون دينار، أي ما يقارب 9%، من دون أن يعني ذلك تحقق تحسن مماثل في قدرة الاقتصاد على توليد الإيرادات أو فرص العمل، مع ملاحظة كان المتوقع هو تقليص النفاق العام لأننا نعيش ازمة حقيقية.

والأكثر إثارة للقلق هو أن النفقات التشغيلية ارتفعت إلى169.342 تريليون دينار، لتستحوذ على نحو 78% من إجمالي النفقات، في حين تراجعت النفقات الاستثمارية إلى47.897 تريليون دينار، أي نحو 22% من الموازنة. وهذه النقطة أيضا كانت مفاجئة لتطلعات الحكومة ولما صرح به وهو انها تقلل النفقات التشغيلية وتزيد الاستثمارية عكس ما تم.

وتبلغ الرواتب والرعاية الاجتماعية معاً101.157 تريليون دينار، أي ما يقارب نصف الإنفاق العام. ولا تكمن المشكلة في توفير الرواتب أو دعم الفئات الهشة، فهذه التزامات اجتماعية ضرورية، بل في استمرار نموها من دون إصلاح إداري وإنتاجي يضمن أن تتحول الأموال العامة إلى خدمات أفضل وإنتاجية أعلى، بدلاً من أن تبقى الموازنة رهينة التزامات يصعب تقليصها عند انخفاض الإيرادات.

أما الإيرادات، فما زالت تعتمد على النفط بصورة رئيسية إذ تبلغ الإيرادات النفطية المقدرة 144.720 تريليون دينار أي نحو 83% من الإيرادات العامة فيما لا تتجاوز الإيرادات غير النفطية 29.514 تريليون دينار. وهذا يعني أن الموازنة لم تحقق تحولاً جوهرياً في مصادر تمويل الدولة، بل ما زالت مرتبطة بأسعار النفط وكميات التصدير وسعر الصرف.

صحيح أن العجز المخطط لعام 2027 أقل من العجز المقدر في موازنة 2023، لكن انخفاض العجز على الورق لا يكفي دليلاً على الإصلاح، ما دامت النفقات التشغيلية تتوسع، والإيرادات غير النفطية لا تنمو بالقدر الكافي، والاستثمار المنتج يتراجع. كما أن افتراض سعر النفط عند 58 دولاراً للبرميل لا يلغي مخاطر تقلب الأسعار أو احتمال عدم تحقق الكميات والإيرادات المتوقعة، اعتقد ان الخطر وهو في نفس الوقت قلل من حجم العجز المخطط هو ان الموازنة اعتمدت حجم تصدير نفطي بحدود 4 مليون برميل يوميا مع ان المؤشرات السياسية غير مطمئنة وان البنى التحتية الحالية تقول شيء اخر.

إن المشكلة الجوهرية في موازنة 2027 ليست في كبر أرقامها فحسب، بل في أنها لا تقدم، وفق الأرقام الأولية المتاحة، تحولاً واضحاً في فلسفة إدارة المال العام. فبدلاً من استثمار الثروة النفطية لبناء اقتصاد متنوع ما زال الجزء الأكبر من الموازنة يذهب إلى الإنفاق الجاري، فيما تبقى معالجة ضعف الصناعة والزراعة والإيرادات الضريبية وفرص العمل دون المستوى المطلوب.

الخلاصة هي إن العراق لا يحتاج إلى موازنة أكبر بقدر حاجته إلى موازنة أكثر إنتاجية، موازنة تضبط نمو النفقات غير الضرورية، وترفع كفاءة الإنفاق الاستثماري، وتوسع الإيرادات غير النفطية، وتحول عائدات النفط إلى أصول ومشروعات تولد دخلاً مستداماً. أما الاستمرار في زيادة الإنفاق من دون إصلاح مصادر الإيرادات وبنية الاقتصاد، فلن يؤدي إلا إلى تأجيل الأزمة المالية، لا حلها، وسيجعل الدولة أكثر عرضة للاهتزاز كلما تراجعت أسعار النفط.