حَدِيثُ الجُمُعَةِ.. الرُّؤيا والرُّؤية … تواَمان

مقالات 16 October 2026
بقلم: نزار حيدر

{قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا ۖ}.

  هل يمكنُ أَن تتحقَّقَ الرُّؤيا [الحلُم] على أَرضِ الواقعِ؟! ومتى وكيفَ؟!.

  نعم يُمكِنُ ذلكَ بكُلِّ تأكيدٍ فالأَمرُ ليسَ مستحيلاً أَو بعيدَ المنالِ إِذا أَخذنا بما يلي بنظرِ الإِعتبارِ عندما نحلمُ؛

  وقبلَ ذلكَ يلزمُ التَّذكيرِ بالحقائقِ والثَّوابتِ التَّاليةِ؛

  *كُلُّ مشروعٍ عملاقٍ وإِنجازٍ تاريخيٍّ عظيمٍ يبدأُ بحُلمٍ، ومِن الأَمثلةِ المُعاصرةِ على ذلكَ ما صرخَ بهِ داعيةُ حقُوقِ الإِنسانِ القسِّ الأَميركي الأَسودِ لوثر كِينغ عام [١٩٦٣] بقولهِ في خطابٍ عامٍّ [I Have a Dream] [عندي حلُم] لتنتشرَ الصَّرخةُ في الآفاقِ وتتردَّدُ معَ الأَجيالِ حتَّى استقرَّ الحُلمُ في العاصمةِ واشنطن عام [٢٠٠٩] عندما دخلَ الرَّجُلُ الأَسودُ في البيتِ الأَبيضِ.

  *وأَنَّ الرُّؤيا [Dream] تتحقَّقُ فقط إِذا احتضنتهُ رُؤيةٌ [Vision] تقومُ على أُسُسٍ متينةٍ، علميَّةٍ وواقعيَّةٍ، تأخذُ بنظرِ الإِعتبارِ الظُّروف الزَّمكانيَّةِ وإِلَّا فهوَ من أَحلامِ العصافيرِ لا يراهُ المرءُ إِلَّا في مناماتهِ فقط!.

  *والرُّؤيا تنقسِمُ إِلى نوعَينِ؛

  ١/ هوَ الذي يُرشدُكَ إِلى مشروعٍ {إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ} فحُلم يوسُف (ع) إِنتهى بهِ لإِنجازِ واحدٍ من أَعظمِ المشاريعِ الحضاريَّةِ في تاريخِ البشريَّةِ.

  ٢/ هوَ الذي يُنبِّهكَ لعاقبةٍ سيِّئةٍ وخطيرةٍ لتأخذَ حِذركَ {وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَىٰ سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ ۖ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِن كُنتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ} فحلمُ ملكُ مِصر كانَ ناقوسَ خطرٍ حذَّرَ البِلاطَ من أَمرٍ مهولٍ دفعَ الملِكُ للبحثِ عمَّن بيدهِ مفتاحُ الحلِّ والذي لم يجدهُ إِلَّا عندَ يوسُف (ع).

  فما الذي يلزَم أَن يأخذهُ المُجتمعُ بعينِ الإِعتبارِ لتتحققَ أَحلامهُ؟!.  

  ١/ أَن يؤمنَ بقُدراتهِ ويستحضرَها دائماً في كُلِّ خُطوةٍ وخُطَّةٍ ورُؤيا.

  أَن يتيقَّنَ بأَنَّهُ قادرٌ على فعلِ المُستحيل وسينجَح بإِنجازِ المُهمَّةِ مهما صعُبت، الأَمرُ الذي يحتاجُ إِلى إِيمانٍ عميقٍ بالإِرادةِ والقدراتِ الذَّاتيَّةِ.

  أَن يتيقَّنَ بأَنَّهُ لا يختلِف عن الشُّعوبِ الأُخرى بشيءٍ فالفارقُ الوحيدُ هوَ الإِرادة فبينَما يتمتَّع الشَّعب النَّاجح بقوَّةِ الإِرادةِ في مواجهةِ التحدِّياتِ والإِستعدادِ للتَّضحيةِ من أَجلِ الهدفِ الأَسمى تضعفُ وتنهارُ إِرادة الشَّعب الفاشِل أَمامَ أَوَّلَ اختبارٍ للتحدِّي وللتَّضحيةِ من أَجلِ الهدفِ.

  في مجتمعِنا تُعشعِشُ، وللأَسفِ الشَّديدِ، ما يمكنُ أَن أُسمِّيها بـ [ثقافةِ التَّحطيمِ] تحطيمُ الإِراداتِ وتحطيمُ نفسيَّةَ الطِّفلِ وتحطيمُ تطلُّعات الشَّباب وتحطيمُ الفكرةِ والرَّأي إذا لم ينسجِم معَ العقليَّةِ السَّائِدةِ!.

  هذهِ الثَّقافةُ هي المسؤُولةُ عن وأدِ الأَحلامِ وقبرِ التطلُّعاتِ.

  المُجتمعاتُ النَّاجحةُ تحكمُها ثقافةُ [التَّمكين] {وَكَذَٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ} و {قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ} أَمَّا في المجتمعاتِ الفاشلةِ فتكونُ محكومةٌ، عادةً، بثقافةِ [التربُّصِ] {وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ ۚ} و {فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّىٰ حِينٍ} و {نَّتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ}.

  أَوصى أَميرُ المُؤمنِينَ (ع) ولدهُ الحسنَ السِّبطِ (ع) يغرسُ في قلبهِ [ثقافةُ التَّمكينِ] {يَا بُنَيَّ اجْعَلْ نَفْسَكَ مِيزَاناً فِيمَا بَيْنَكَ وبَيْنَ غَيْرِكَ فَأَحْبِبْ لِغَيْرِكَ مَا تُحِبُّ لِنَفْسِكَ واكْرَه لَهُ مَا تَكْرَه لَهَا ولَا تَظْلِمْ كَمَا لَا تُحِبُّ أَنْ تُظْلَمَ وأَحْسِنْ كَمَا تُحِبُّ أَنْ يُحْسَنَ إِلَيْكَ واسْتَقْبِحْ مِنْ نَفْسِكَ مَا تَسْتَقْبِحُهُ مِنْ غَيْرِكَ وارْضَ مِنَ النَّاسِ بِمَا تَرْضَاه لَهُمْ مِنْ نَفْسِكَ ولَا تَقُلْ مَا لَا تَعْلَمُ وإِنْ قَلَّ مَا تَعْلَمُ ولَا تَقُلْ مَا لَا تُحِبُّ أَنْ يُقَالَ لَكَ}.

  قد لا يعترفُ المجتمعُ الفاشلُ بمرضهِ هذا [التربُّص] إِلَّا أَنَّهُ الواقع المُر الذي يعيشهُ كُلَّ فردٍ فيهِ صغيراً كان أَم كبيراً إِمرأَةً كانت أَم رجلاً مسؤُولاً كانَ أَم مواطناً عاديّاً فالكلُّ تحكمهُ ثقافةُ التربُّصِ بالآخرِ سواءً إِعترفَ بها أَم لم يعترِف، أَظهرها في قسماتِ وجههِ وفلَتاتِ لسانهِ أَو أَخفاها في نفسهِ وأَضمرَها في قلبهِ أَو سترَها تحتَ طَيلسانهِ!.

  وإِنَّ أَحدَ أَخطر أَسباب ظاهرةِ التربُّصِ في المُجتمعِ هو حرصُ الفردِ أَو الجماعةٍ على أَن يأتي الإِنجازُ على يدهِ فقط وإِلَّا فلا أَحدَ ينجِزهُ! أَمَّا التَّمكينُ فيعتمدُ مبدأ التكامليَّة في الإِنجازِ فإِذا كُنتَ أَنت قادراً على الإِنجاز فبها وإِلَّا فلتدَع غيرُكَ يُنجزهُ أَو أَن تُسعِفُكَ الفُرصةُ لإِكمالِ ما ينقصكَ من أَدوات النَّجاح لتُحقِّقهُ بنفسِكَ {وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي ۖ إِنِّي أَخَافُ أَن يُكَذِّبُونِ} أَمَّا إِذا كنتَ عاجزاً عن الإِنجازِ وعاجزاً عن كسبِ المهاراتِ المطلوبةِ للإِنجازِ وفشلتَ في إِكمالِ ما نقصَ منها ضمنَ دائرةِ الوقتِ المعلومِ ثمَّ عرقلتَ دَورَ الآخرينَ وجهودهُم في إِنجازِ المُهمَّةِ وبذلتَ ما أَمكنكَ [ماديّاً ومعنويّاً] لإِفشالهمِ فذلكَ هوَ التربُّصُ الذي يستندُ إِلى الأَنانيَّةِ المَقيتةِ والحَسدِ والحِرصِ والتي تدمِّرُ الإِنسانَ الفَرد والإِنسانَ المُجتمع إِذا ما سادَت.

  يقُولُ أَميرُ المُؤمنِينَ (ع) مُحذِّراً {ولَا تَحَاسَدُوا فَإِنَّ الْحَسَدَ يَأْكُلُ الإِيمَانَ كَمَا تَأْكُلُ النَّارُ الْحَطَبَ} و {ولَا تَكُونُوا كَالْمُتَكَبِّرِ عَلَى ابْنِ أُمِّهِ مِنْ غَيْرِ مَا فَضْلٍ جَعَلَهُ اللَّه فِيهِ سِوَى مَا أَلْحَقَتِ الْعَظَمَةُ بِنَفْسِهِ مِنْ عَدَاوَةِ الْحَسَدِ} و {صِحَّةُ الْجَسَدِ مِنْ قِلَّةِ الْحَسَدِ} و {والْحِرْصُ والْكِبْرُ والْحَسَدُ دَوَاعٍ إِلَى التَّقَحُّمِ فِي الذُّنُوبِ}.

  صحيحٌ جدّاً أَن يثقَ المرءُ بقُدراتهِ على الفعلِ والإِنجازِ فلا يُقلِّل من شأنها أَو يستسلمَ للعجزِ والفشلِ بسُرعةٍ ولكنَّ الصَّحيحُ جدّاً كذلكَ هوَ أَن يعترفَ بمحدوديَّةِ كُلِّ ما يمتلكهُ من قُدراتٍ ومهاراتٍ إِذ لا يوجد في هذا الكونِ مَن يمتلكَ كُلَّ أَسباب القوَّة بالمُطلقِ ولذلكَ قالَ تعالى {أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ ۚ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۚ وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيًّا ۗ وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ}.

  هذهِ الفلسَفةُ في الخلقِ هي التي جعلَت الإِنسانَ يندفعُ نحوَ أَخيهِ الإِنسان، يُنافِسهُ ويطلبُ مُساعدتهُ في آنٍ، ليتكاملَ معهُ ولقد وصفَ القُرآن الكريم هذهِ الظَّاهرة الإِنسانيَّة بالفتنةِ {وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ ۗ} ثم دعا للصَّبر عليها لأَنَّ التَّكاملَ بحاجةٍ إِلى تحمُّلٍ وانسجامٍ وتنازلٍ وكسبٍ مُتبادلٍ فهيَ تشبهُ ظواهِر الفتنةِ والبلاءِ الأُخرى!.