الخريف الأوربي …!!

مقالات 21 October 2026
بقلم: د كاظم المقدادي

هل انتقل سر انتفاضة تشرين من بغداد إلى باريس .. ثم إلى بقية العواصم الاوربية ..؟

هذا الذي يحدث في باريس وميلانو وبروكسل وبرلين وألبانيا وفي بعض الولايات المتحدة الأمريكية .. إشارات قوية الى السياسيين الذين يتغافلون عن عمد غضب الشعوب التي لا تقهر ، وهي تخرج بالمليونية …وسط القنابل المسيًلة للدموع ، وبالخطابات والشعارات الديماغوجية وبالمناورات السياسية ، مع اقتراب موعد الانتخابات الفرنسية .. التي ستجري في نيسان القادم ، والتي استغلت من احزاب اليمين واحزاب اليسار موعد الانتخابات لتصب جام غضبها على سياسات الرئيس الفرنسي ماكرون الداخلية منها و والخارجية ..!!

في 17 تشرين الاول … اكتوبر ..

كنت قد هيأت نفسي لكي اكتب ذكرى وصولي إلى باريس مذ اكثر من أربعين عاما .. وتحديدا في السابع عشر من اكتوبر .

كانت باريس حينها على موعد مع خريفها .. واوراق الشجر الماثل إلى الصفرة ، كان يتساقط على رواء ، في ازقة الحي اللاتيني ، وبالقرب من نهر السين ، وفوق قباب السوربون ، وقبة البانتيون - مقبرة العظماء ، ممن شكلوا عقل الثورة الفرنسية / فولتير وميرابو ودانتون وروبسبير وجان جاك روسو وعشرات من علماء وأدباء غيرهم .. تلك الثورة التي غيًرت وجه اوربا .. ويبدو ان باريس على موعد آخر للتأثير في الواقع السياسي الأوربي ..!!

لمن تكن شرارة الانتفاضة الحالية لطلبة الثانويات في 17 تشرين هي الاولى من نوعها ، والتي أربكت حكومة الرئيس الفرنسي الحالي ماكرون …

في سنة 1968كانت انتفاضة طلبة الجامعات قد تحدت حكومة محرر فرنسا الجنرال مارشال ديغول ، الذي غادر قصر الاليزية دونما ضجيج منه ، إلى أن مات عند مسقط رأسه في (مدينة ليل) شمال فرنسا .

مطالب تلاميذ الثانويات ، لم تكن صعبة ولا معجزة، ولا هي غير محقة ، فهي تتلخص باصلاح المنظومة التعليمية المترهلة ، واعادة تأهيل المدراس المتهرئة .. وصرف مبالغ كافية لنقل المؤسسة التربوية بما فيها من معلمين وتلاميذ وإداريين .. من حال إلى حال .

لكن الوزارات تجاهلت ، والهيآت الإدارية السابقة واللاحقةً تماطلت .. مما اضطر معظم التلاميذ إلى النزول إلى الشوارع ، ثم لحق بهم طلبة الجامعات والنقابات والمزارعين ، واحزاب اليمين المتطرف ، واحزاب اليسار .. !!

والأكثر اثارة .، حضور مجموعات كبيرة من اصحاب القماصل الصفراء ، من الذين شاركوا في مظاهرات 2018 , و حولوا وقتها شوارع وساحات باريس ومحالها التجارية إلى خراب ، ما بعده من خراب

ومع العنف المفرط …

الذي مارسته الشرطة الفرنسية وهو الاخطر .. كان التحدي الشعبي اكبر .. فتحولت باريس إلى ساحة حرب حقيقية .. مما دعا وزير الداخلية إلى تقديم استقالة فورية ، رفضها ماكرون رئيس الجمهورية .. فانتهى الحال إلى منع جزئي للتجوال .. !!

من باريس إلى مدينتي ميرسيليا وليون في الجنوب الفرنسي .. حيث الكثافة السكانية من المغاربة المهاجرين والمهمشين الذين لم يندمجوا أصلا مع الفرنسيين .. لاسباب من العنصرية والتمييز في الحصول على الوظائف البسيطة .. مع ارتفاع مثير بارتفاع الاسعار وغلاء المعيشة ..!!

شرارة باريس امتدت إلى بروكسل وروما وحتى ألبانيا .. وما زالت تتفاعل ولا أحد يدري اين ومتى ستتوقف .. وهذا يعني ان الإسلام السياسي لم يكن هو السبب الرئيس في اشتعال الأزمة الحالية ..كما صرح ترامب ، وكما نوهت بعض الشخصيات السياسية الفرنسية .. انما الفقر والبطالة والتمييز التي سادت بين ابناء المهاجرين خاصة في مدينة مرسيليا التي تم احراق بناية عمدة المدينة فيها .!!

العارفون في بواطن السياسات الاوربية .. يعرفون جيدا …

ان فرنسا وغيرها من الدول الاوربية ، على موعد مع تغييرات دراماتيكية لا مفر منها .. اما الذين يودون المقارنة بين تشرين العراقية .. وتشرين الاوربية ،، فان تشرين العراقيين كانت سلمية ، مع هذا فضحاياها من مئات الشهداء ، والآلاف من الجرحى ، ولم نقدم لهم سوى الشموع .. وفي باريس ، أصيب شاب بعينه ، وبترت قدم آخر ، اما الثالث فقد توفي خنقا بين الجموع.