البلوغ وأثره في اختيار المحضون الاقامة مع احد أبويه في ضوء التشريع والاجتهاد القضائي والجدل المجتمعي
لم تعد الحضانة من القضايا التي يقتصر تداولها في ساحات المحاكم، حيث أصبحت من أكثر المواضيع تداولاً في الشارع العراقي و المنصات الاجتماعية والتي ظهرت على الساحة مع صدور التشريعات الجديدة و بدأت موجات من الجدل والتباين في الآراء بين مؤيد ومعارض والتي غالباً ما تبنى على اعتبارات عاطفية او اجتماعية لا تعتمد على الأسباب الموجبة او الفهم الصحيح لنصوص التشريع، حيث ان هذه الجدليات تعتبر ان حق الحضانة مطلق لأحد الأبوين , ان سرعة تشكل الرأي العام تجاه قضايا الحضانة وما تتسم به مواقع التواصل الاجتماعي من سرعة تداول المعلومات يؤدي إلى نشر مفاهيم غير دقيقة او معلومات قانونية مغلوطة او تعميم حالات فردية على جميع المنازعات، رغم ان النقاش ظاهرة اجتماعية صحية إذا كانت قائمة على تقبل الرأي وفهم الرأي الأخر، ومن هنا نرى ان الاحتكام الى المنطق والتفكير السليم لتصويب موضوع اختيار المحضون للسكن مع احد والديه في ظل ما صدر من تشريعات جديدة واجتهادات قانونية فانه من الضروري ان نفهم ما هو البلوغ بنوعيه لما له اثر في ارادة المحضون، حيث تمر حياة الإنسان بمراحل ينتقل فيها من طور إلى طور آخر جديد يتغير فيها إدراكه للمسؤولية ولان البلوغ يمثل مرحلة مفصلية إذ ينتقل الفرد إلى مرحلة جديدة تتسم بقدر اكبر من النمو الجسدي والنفسي و تعتبر هذه المرحلة أساساً لاكتساب الفرد بعض الحقوق والالتزامات، إن مفهوم البلوغ لا يقتصر على الجانب الجسدي (البيولوجي) وحده بل يمتد إلى النضج العقلي والفكري والانفعالي و يعتبر البلوغ من الموضوعات المهمة في الدراسات النفسية والاجتماعية والقانونية لما يترتب عليه من آثار تتعلق بالأهلية والمسؤولية والقدرة على اتخاذ القرار، ولان اكتمال الجسد لا يعني بالضرورة اكتمال الوعي أو النضج النفسي بحسب ما تؤكده الدراسات الحديثة في علم النفس وعلم الأعصاب ولهذا اتجهت العديد من التشريعات إلى الأخذ بمعيار السن القانونية وربطها بدرجة معينة من النضج العقلي لحماية الفرد والمجتمع من الآثار السلبية للقرارات غير الناضجة، ولتعريف نوعي البلوغ البيولوجي والعقلي فيقصد بالأول هو اكتمال الوظائف الجسدية للإنسان نتيجة تغييرات هرمونية وفسيولوجية تصاحب مرحلة المراهقة وهو ظاهرة طبيعية مرتبطة بالنمو العضوي ويظهر من خلال العلامات الجسدية الواضحة مع اختلافها بين الذكور والإناث والثاني هو اكتمال قدرة الفرد على الإدراك والتمييز وتقدير الأفعال ونتائجها والقدرة على اتخاذ القرارات، ومن خلال هذين التعريفين يتضح انه لا ضرورة لتحقق النوعين في الوقت ذاته بل قد يتأخر احدهما عن الآخر لسنوات مما يؤدي إلى وجود فجوة زمنية بين النوعين فالأول يعتمد على الطبيعة الجسمانية والآخر يتأثر الظروف البيئية المحيطة بالفرد.
سن البلوغ وعلاماته وفق المذاهب الحنفية والجعفرية:
ان من المناسب التعرض إلى موقف المذهبين الحنفي والجعفري وبشكل مقتضب وبالأخص مسالة البلوغ لما لهما من تأثير في الأحوال الشخصية في العراق حيث يرى المذهب الحنفي ان البلوغ يثبت بإحدى العلامات الطبيعية التي تظهر على الذكر والأنثى وعند عدم ظهورها فان البلوغ يثبت ببلوغ السن الخامس عشر سنة قمرية للذكر والأنثى وهو راي معتمد عند جمهور الحنفية والمذهب الجعفري ان البلوغ يثبت بإحدى العلامات الطبيعية التي تظهر على الذكر والأنثى وعند عدم ظهورها فان البلوغ يثبت ببلوغ السن الخامس عشر سنة قمرية للذكر وتسع سنوات قمرية للأنثى، ومن هنا نرى ان كلا المذهبين يتفقان في المساواة بين الذكر والأنثى في العلامات الطبيعية والتفريق بين الذكر والأنثى بالنسبة لسن البلوغ.
المشرع العراقي:
اخذ المشرع العراقي بعين الاعتبار عنصر الإدراك والتمييز العقلي عند تحديد المسؤولية وبحسب طبيعة الموضوع القانوني ففي نطاق القانون المدني فقد ربط التصرفات القانونية بقدرة الشخص على الإدراك والتمييز فاعتبر الصغير غير المميز عديم الأهلية ومنح الصغير المميز أهلية ناقصة لحين بلوغه سن الرشد وعلى الصعيد الجنائي فرق قانون رعاية الأحداث بين الحدث وغير الحدث وكذلك الحال في قانون رعاية القاصرين.
وفي نطاق قانون الأحوال الشخصية رقم 188 لسنة 1959 وهو محط أنظار المجتمع وما طرأ عليه من تعديلات، وبتسليط الضوء على أحكام الحضانة اخذ المشرع على عاتقة جعل مصلحة المحضون هي الأساس الذي تستند إليه المحكمة عن تقرير بقاء المحضون مع احد أبويه او انتقاله إلى آخر وعند وصول المحضون سن التخيير لا يكفي في هذه الحالة النظر إلى عمر المحضون او نموه الجسدي بل يضاف إليه إدراكه وقدرته على التعبير خاصة عندما يكون قد بلغ مرحلة من التمييز الفعلي تسمح له بفهم ظروف الإقامة وآثار اختياره مع اعتبار رغبته قرينة وليس عنصراً حاسماً بصورة مطلقة تسمح للمحكمة بتكوين قناعة بشأن الأصلح للمحضون والعمل بخلاف ذلك فقد تكون رغبة المحضون نتيجة ضغط عاطفي او نفسي او إغراء غير مدرك بصورة كاملة ما يحقق مصلحته، ان السير بهذا الاتجاه يعكس إدراك المشرع والقضاء ان الغاية الأساسية هي تحقيق الاستقرار والرعاية السليمة للمحضون.
جذور الخلاف وامتداده إلى الرأي عام
من المنصف توضيح أسباب إثارة الرأي العام والمنظمات المجتمعية حول التعديلات التي جرت على قانون الأحوال الشخصية المرقم 188 لسنة 1959 بشأن أحقية احد الأبوين في بقاء المحضون معه ان ذلك الخلاف يكون ابتداءً من ولادة المحضون لغاية بلوغه سن الاختيار حيث تستند الأم في أحقيتها إلى الفطرة الإنسانية التي نشأت عليها وبما تتسم به من عاطفة وكذلك نوعية احتياجات المحضون خلال مراحل نموه والتي ترى أنها اقدر على رعايته وان مصلحته البقاء معها في المقابل يتمسك الأب بأحقيته في الإشراف على المحضون وتنشئته، ان كلا الطرفين يرى سلب الحضانة منه يحرمه حق أداء دوره وتضرره في بقاءه عند الأخر ,حيث ان النقاش الدائر كثيراً ما ينطلق من حالات فردية مؤلمة ومهما كانت درجة أهميتها إلا إنها لا تصلح ان تكون قاعدة عامة لان التشريع لا يبنى على استثناءات وإنما بما يحقق المصلحة العامة الغالبة للمجتمع مع بقاء الوسائل القانونية الكفيلة بمعالجة تلك الحالات الاستثنائية، كذلك لا ينكر وجود حالات ظلم للأبوين أو للمحضون ولكن يكون علاجها عبر الوسائل القانونية وما للمحكمة من سلطة تقديرية في كل دعوى وليس بتغليب حق احد الأبوين على الأخر باعتبار ان كلاهما يمتلك حقاً أصليا للحضانة وإنما بنظام قانوني وضع لحماية مصلحة المحضون ابتداءً وان معيار الأفضلية لا يبنى على جنس احدهما.
دور القضاء في في حسم الخلاف
من خلال ما تقدم ان اختيار المحضون السكن مع احد أبويه لا يمكن حصرها ضمن حدود النصوص القانونية التي مهما بلغت دقتها تبقى عاجزة عن فهم واستيعاب جميع الظروف النفسية والاجتماعية والإنسانية للمحضون لذا فان المصلحة تبقى هي المعيار الأعلى الذي ينبغي ان تتوحد عنده النصوص القانونية والاجتهادات القضائية ولان الاختيار هو حق مكتسب وان تعدد النصوص التشريعية والآراء الفقيه في تحديد مدى مطابقة البلوغ بنوعيه على المحضون، وبالرجوع إلى المادة (88) من مدونة الأحكام الشرعية في مسائل الأحوال الشخصية وفق المذهب الشيعي الجعفري أشارت إلى انتهاء الحضانة ببلوغ الولد رشيداً أي انه مالك لنفسه وله حق الاختيار في السكن مع احد أبويه حيث أنها لم تحدد سن معينة وإنما اكتفت ببيان علامات ومعايير محددة ان تحققت يمكن اعتباره بالغاً رشيداً مما خلق حالة من عدم الاستقرار في التطبيقات القضائية عزز القضاء العراقي هذا الاتجاه بقرار محكمة التمييز الاتحادية بالمرقم 93/الهيئة الموسعة/2026 في 31/3/2026 وحسم الجدل بهذا الخصوص الذي قضى بان المقصود بالبلوغ هو بلوغ سن الرشد القانونية أي إكمال الثامنة عشر من العمر ما لم يعتريه عارض من عوارض الأهلية وهو سن مفترض فيه اكتمال الأهلية القانونية وإدراك عقلي كاف لاتخاذ قرار يتعلق بمحل إقامته وذلك بالرجوع الى أحكام القانون المدني العراقي رقم 40 لسنة 1951 ووفقاً لما ورد بنص المادة (106) ان هذا الاتجاه يمنح محاكم الأحوال الشخصية معياراً أكثر استقراراً لما تتمتع به محكمة التمييز من سلطة ودور ايجابي في استنباط المبادئ القضائية المستمدة من النصوص القانونية لضمان تطبيقها بسهولة بيسر دون لبس او تأويل، ان ما ورد بالقرار المذكور هو مبدأ للاستناد عليه لإغراض تطبيق أحكام المادة (88) من مدونة الأحكام الشرعية في مسائل الأحوال الشخصية وفق المذهب الشيعي الجعفري.
ختاماً..
ان ما انتهت إليه الهيئة الموسعة المدنية في محكمة التمييز الاتحادية لا يكشف عن قصور تشريعي وإنما إكمالاً لتفصيلات قانونية تقتضيها الحاجة العملية لما أفرزته التطبيقات القضائية وتباين في تفسيرات المشرع وحسمت محل خلافات ووحدت الاجتهادات القضائية مما يؤدي إلى استقرار المراكز القانونية.