ماذا تعني الاحتجاجات الفرنسية؟

مقالات 28 October 2026
بقلم: د. محمد القريشي

لا توجد ثورة جياع في فرنسا، ولكن يوجد تفاوت مناطقي واقتصادي، وهذه سمة موجود في اغلب الدول الراسمالية، هناك صندوق رعاية اجتماعية يؤمن الحد الادنى من العيش للأفراد، فلا بطون جائعة بلا غذاء، ولا مرضى بلا علاج، ولكن هناك شعور اجتماعي متواصل في البحث عن ظروف عيش افضل. 

وأهم شيء يلاحظه المتابع لأحداث فرنسا، هو وجود خصوصية اجتماعية وسياسية تتضمن الاحتجاجات المتكررة منذ حدوث الثورة الفرنسية عام 1789. 

فمظاهرات حركة القمصان الصفر عام 2018 واحتجاجات التقاعد عام 2023 وما قبلها بكثير احتجاجات 1968 الشهيرة، هي حلقات متسلسلة من ثقافة سياسية يحملها الشعب الفرنسي ويحولها إلى وسيلة ضغط على الحكومات من أجل إصلاح عملها في ادارة الدولة ومعالجة التباينات الاجتماعية.

قسم كبير من الشعب الفرنسي ينظر الى احتجاجاته “بفخر” ويعتبرها “رحم ولود لقيادات شابة”، لأنها مرآة لشخصيّته الجدلية المعروفة.. “الجدل” سمة بنيوية مرافقة للحياة الفرنسية، حيث تخصص الأسر الفرنسية (على سبيل المثال) وقتا طويلا في اليوم لوجبة الغداء، يجرى خلالها طرح قضايا سياسية واقتصادية واجتماعية مختلفة.. وهذه بحد ذاتها مناسبة لتدريب الأفراد وتمكينهم من التعبير عن الرأي عند اندماجهم في المجتمع.

التعليم المؤسسي، يأتي مكملا للأسرة، من خلال تنظيم المدارس لحلقات نقاشية حول قضايا مختلفة مثل:

هل يجب تقييد استخدام الهواتف في المدارس؟ وهل يمكن التضحية بجزء من الحرية الفردية من أجل المصلحة العامة؟ وهل تؤدي وسائل التواصل الاجتماعي إلى تعزيز الديمقراطية أم إضعافها؟ وهل يجب أن تكون حرية التعبير مطلقة؟

ومن بين المعايير الوطنية لتصنيف الجامعات الفرنسية، وجود بيئة نشطة سياسيا وثقافيا في حرم الجامعة.

وعلى الرغم من كل مظاهر العنف التي تشهدها الأحداث الأخيرة، فان عدد الموتى لحد الان (صفر)، وعدد اتهامات التخوين بانتماء المتظاهرين الى دول خارجية (صفر)!!

وحول نزعة الفرنسيين الى الحرية والتمرد الإيجابي تنسب إلى ديغول مقولة (كيف يمكنك حكم بلد لديه 246 نوعاً مختلفاً من الجبن؟)

الفرنسي يمتلك “حسا نقديا عاليا” يكاد ان يكون مجسدا لهويته، ونزعة للتعبير عن تميزه في الاعتراض، تضعف من استجابته التلقائية للقرارات الحكومية… والتمرد لديه ليس الفوضى بل، التعبير البناء عن الحرية الشخصية.

واذكر سماعي مفردة التمرد بصداها الايجابي في اللغة الفرنسية، لاول مرة اثناء حضوري مناقشة دكتوراة دولة في عام 1985، حيث وجه احد اعضاء اللجنة نقدا الى الباحثة، حينها، بانها “لم تكن متمردة بما فيه الكفاية”!