إطفاء غرامات الكليات الأهلية: تشجيع للاستثمار أم ضوء أخضر للمخالفات؟
إطفاء الغرامات
ويقول الأكاديمي التدريسي مصطفى كامل الشريفي، أنه ”لا يوجد مبرر مهني أو تربوي لإطفاء الغرامات المفروضة على الجامعات والكليات والمعاهد الأهلية، إذا كانت ناجمة عن مخالفات قانونية وتعليمية، لمجرد قيام تلك المؤسسات بتسديد الضرائب أو الرسوم المستحقة عليها”.
ويشدد على ضرورة ”الفصل بين الالتزامات المالية والعقوبات القانونية، إذ يمثل تسديد الضرائب والرسوم واجباً مالياً على أي مؤسسة تحقق إيرادات، فيما تعد الغرامات عقوبات تفرض نتيجة مخالفة القانون أو ضوابط وزارة التعليم، مثل القبول خارج المنظومة، أو تجاوز الطاقة الاستيعابية، أو استحصال مبالغ مخالفة، أو الإخلال بشروط الترخيص”، مؤكداً أنه ”لا يصح تحويل تسديد واجب مالي إلى مقابل لإسقاط عقوبة مترتبة على مخالفة أخرى”.
ويبين الشريفي، أن ”المؤسسات التعليمية الأهلية تستوفي أقساطاً دراسية من الطلبة وتحقق إيرادات مالية، ما يجعل افتراض وجود أزمة مالية تستدعي إعفاءها من الغرامات أمرا غير مبرر دون الكشف عن حسابات مالية مدققة وشفافة”، لافتاً إلى أن ”وجود صعوبات مالية لدى بعض المؤسسات، حتى إن ثبت، لا يبرر إعفاءها من المسؤولية، خصوصاً عندما تمس المخالفات حقوق آلاف الطلبة ومستقبل شهاداتهم وسمعة التعليم الأهلي”.
ويحذر من أن ”إطفاء الغرامات قد يبعث برسالة سلبية، مفادها أن المؤسسات الملتزمة بالقانون، والتي تتحمل كلفة الالتزام بضوابطه، ستكون عملياً أقل حظاً من المؤسسات التي ترتكب المخالفات ثم تنتظر تسوية أو إعفاء، الأمر الذي يضعف إجراءات الردع ويشجع على تكرار المخالفات”.
وأقر مجلس الوزراء، في جلسته الاعتيادية، (الثلاثاء 27 تشرين الأول 2026)، برئاسة رئيس الوزراء علي فالح الزيدي، تعديل قراره المرقم 336 لسنة 2026، بما يتضمن تولي وزارة المالية إطفاء المبالغ الإضافية والغرامات التأخيرية المترتبة على الجامعات والكليات والمعاهد الأهلية، وفقاً لمواعيد تسديد أصل الضريبة المستحقة.
ويوضح بيان لمجلس الوزراء، أن القرار ينص على إطفاء 100% من المبالغ الإضافية والغرامات التأخيرية في حال تسديد أصل الضريبة المستحقة خلال ستة أشهر من تاريخ إصدار القرار، فيما تنخفض نسبة الإطفاء إلى 50% عند التسديد خلال الأشهر الستة اللاحقة.
وتعود مخالفات الجامعات والكليات الأهلية إلى الواجهة، مع كشف النائب حيدر المطيري، في (27 حزيران 2026)، عن توجيه جهاز الإشراف والتقويم العلمي في وزارة التعليم العالي كتاباً شديد اللهجة إلى المؤسسات التعليمية الأهلية، يتضمن إجراءات صارمة بحق المخالفين لتعليمات أجور التدريب الصيفي، تصل إلى إعفاء رئيس الجامعة أو عميد الكلية، أو تعليق القبول في حال استحصال مبالغ من الطلبة خلافاً لتوجيهات الوزارة، وذلك بعد ورود شكاوى إلى الجهات المختصة.
ويكشف المطيري، في تصريحات نشرها عبر صفحته على الفيسبوك، عن رصد مخالفات في بعض كليات الطب الأهلية، تشمل نقص الكوادر التدريسية وقبول طلبة فوق الطاقة الاستيعابية، فضلاً عن وجود فروع بلا تدريسيين في تخصصات الأطفال والنسائية والتوليد وطب المجتمع والأدوية، وتدريسيين بلا عقود أصولية، مشيراً إلى أن إحدى الكليات تضم 80 محاضراً خارجياً من أصل 123، بنسبة تقارب 65%، رغم أن النسبة المسموح بها لا تتجاوز 20%.
ويلفت المطيري، في منشور آخر، قبول إحدى الكليات الأهلية نحو 3000 طالب خارج منظومة وزارة التعليم العالي قبل أربع سنوات، مبيناً أن الوزارة فتحت تحقيقاً استمر ثلاث سنوات، وانتهى بفرض غرامة مقدارها ملياران و187 مليون دينار، لم تسدد حتى وقت نشر التصريح، فيما يثير تساؤلاً بشأن إمكانية شمولها بإطفاء الغرامات مقابل تسديد الضرائب والرسوم.
تسوية مشروطة
ويرى التدريسي الشريفي أن ”معالجة الحكومة لهذا الملف يجب ألا تقوم على الإعفاء المجاني، وإنما من خلال تسوية مشروطة وشفافة، تتضمن إعلان أسماء المؤسسات المخالفة وطبيعة مخالفاتها ومبالغ الغرامات المفروضة عليها، وتسديد أصل الالتزامات المالية، ومعالجة المخالفات فعلياً، وتدقيق أوضاع الطلبة المتضررين، ومنع تكرار التجاوزات، مع ربط أي تخفيف استثنائي بضمانات واضحة وقابلة للمراقبة”.
ويردف، أنه ”من حق العائلات العراقية التساؤل عن الفائدة التي ستعود على الطلبة مقابل منح المؤسسات التعليمية تسهيلات مالية”، مشدداً على ضرورة أن ”تقترن هذه التسهيلات بالتزامات ملموسة، تشمل تخفيض الأجور الدراسية أو تثبيتها، وتوسيع المنح المقدمة للطلبة المتعثرين، وتحسين المختبرات والخدمات التعليمية، وضمان حقوق التدريسيين والعاملين، فضلا عن الالتزام الصارم بمعايير الاعتماد والجودة”.
ويؤكد الشريفي، أن ”التعليم الأهلي ليس مشروعاً تجارياً عادياً، بل قطاع يرتبط بمستقبل الشباب والمجتمع، لذا ضرورة عدم منح المؤسسات المخالفة امتيازات دون مقابل، وأن تقترن أي تسهيلات بالمحاسبة والشفافية وحماية حقوق الطلبة أولا”.
تحصيل الضرائب
من جهته، يقول الخبير الاقتصادي نوار السعدي، إن “الحكومة يمكن أن تبرر قرار إعفاء الجامعات والكليات والمعاهد الأهلية من الغرامات باعتباره محاولة لتسريع تحصيل الضرائب الأصلية المتراكمة عليها، بدلاً من استمرار تراكم الديون والغرامات وصعوبة استحصالها”، مؤكداً أن ”نجاح هذه السياسة يتوقف على حجم الإيرادات التي ستدخل فعلياً إلى الخزينة العامة، وليس على قيمة الغرامات التي سيجري إطفاؤها فقط”.
ويوضح السعدي أنه لم يجد في البيانات المنشورة رقماً رسمياً يحدد القيمة الإجمالية للغرامات المشمولة بالإعفاء أو عدد المؤسسات المستفيدة منه، مشيراً إلى أن ”تحديد الكلفة المالية التي ستتحملها الدولة بدقة يتطلب من وزارة المالية إعلان إجمالي الغرامات المستحقة، وحجم الضرائب الأصلية التي تتوقع تحصيلها بموجب القرار”.
ويرى، أن “الإشكالية الأساسية تكمن في طبيعة الدعم المقدم لهذا القطاع، إذ تؤدي الجامعات الأهلية دوراً مهماً في استيعاب الطلبة وتوسيع فرص التعليم، لكنها تمثل في الوقت نفسه نشاطاً اقتصادياً تحقق مؤسساته إيرادات من الأقساط الدراسية”، مبيناً أن ”أهمية التعليم لا ينبغي أن تتحول إلى مبرر لإعفاء المؤسسات من تبعات التأخر في الوفاء بالتزاماتها المالية دون مقابل واضح للمجتمع”.
إعفاءات محددة
ويجد السعدي “إمكانية ربط الإعفاء بالتزامات محددة، تشمل تحسين جودة التعليم، وزيادة المنح الدراسية للطلبة من ذوي الدخل المحدود، أو تخفيض الأقساط في التخصصات ذات الكلف المرتفعة”، معتبراً أن ”هذه الشروط تجعل الإعفاء أداة لدعم التنمية البشرية، بدلاً من اقتصاره على تخفيف الأعباء المالية عن المؤسسات المستفيدة”.
ويحذر من أن “منح إعفاءات واسعة لقطاع معين، بالتزامن مع توجه الدولة نحو زيادة الإيرادات غير النفطية وفرض أعباء إضافية على قطاعات أخرى، يثير تساؤلات مشروعة بشأن اتساق السياسة المالية ومدى تحقيق العدالة الضريبية”، مستدركاً أن ذلك “لا يعني بالضرورة أن القرار خاطئ من الناحية الاقتصادية، لكنه يتطلب تبريراً واضحاً وشفافية في إعلان كلفته وعوائده”.
ويؤكد السعدي تأييده لأي ”إجراء يسهم في تحصيل الضرائب المستحقة وتعزيز موارد الدولة، شريطة ألا يتحول إلى سابقة تشجع المؤسسات على التأخر في التسديد انتظاراً لإعفاءات مستقبلية، مشدداً على ”ضرورة تحقيق التوازن بين تشجيع الاستثمار التعليمي، وحماية المال العام، وضمان استفادة الطلبة والمجتمع من أي تسهيلات تمنحها الدولة”.
ويعود ملف الجامعات الأهلية من إجراءات رقابية وغرامات معلنة إلى تسهيلات حكومية مشروطة بتسديد الضرائب، لتبقى المسألة الأبرز مرتبطة بالتمييز بين الغرامات الضريبية والعقوبات الناجمة عن المخالفات التعليمية، وما إذا كان القرار سيعزز تحصيل مستحقات الدولة دون أن يؤثر في إجراءات المحاسبة وحماية حقوق الطلبة.