موازنة العراق 2027.. الانفاق الحكومي - الجزء الرابع

مقالات 06 November 2026
بقلم: د. بلال الخليفة

لا تكمن خطورة الموازنة العامة في حجم الإنفاق الحكومي وحده، وإنما في طبيعة هذا الإنفاق ومدى قدرته على خلق قيمة اقتصادية مستدامة. فالدولة التي تنفق مواردها على الرواتب والنفقات الإدارية والاستهلاك الجاري أكثر مما تنفق على بناء المصانع والبنى التحتية والمشاريع الإنتاجية، قد تتمكن من تلبية التزاماتها الآنية، لكنها لا تؤسس بالضرورة لاقتصاد قادر على النمو والاستمرار.

وتكشف الأرقام الأولية المتداولة لمشروع موازنة العراق لعام 2027 عن اختلال واضح في هيكل الإنفاق؛ إذ يبلغ إجمالي النفقات العامة نحو 217.239 تريليون دينار، تتوزع بين 169.342 تريليون دينار نفقات تشغيلية و47.897 تريليون دينار نفقات استثمارية.

وبذلك تستحوذ النفقات التشغيلية على نحو 78% من إجمالي الإنفاق، مقابل 22% فقط للنفقات الاستثمارية. وهذه النسبة تثير تساؤلات جوهرية بشأن قدرة الموازنة على تحقيق التحول الاقتصادي المطلوب، ولا سيما أن العراق يحتاج إلى استثمارات كبيرة في قطاعات الصناعة والزراعة والطاقة والنقل والبنية التحتية.

أولاً: اختلال التوازن بين الإنفاق التشغيلي والاستثماري

يوضح توزيع النفقات في موازنة 2027 أن الجزء الأكبر من الأموال العامة يذهب إلى النفقات التشغيلية، التي تشمل الرواتب والأجور والمخصصات والرعاية الاجتماعية والنفقات الإدارية والخدمية وغيرها من الالتزامات المتكررة.

أما النفقات الاستثمارية، التي يفترض أن تسهم في إنشاء الأصول الاقتصادية وتطوير البنية التحتية وزيادة الطاقة الإنتاجية، فلا تتجاوز 47.897 تريليون دينار.

نوع الإنفاق/ التخصيصات (تريليون دينار) / النسبة من إجمالي الإنفاق

النفقات التشغيلية / 169.342  / 78.0%

النفقات الاستثمارية / 47.897 / 22.0%

إجمالي النفقات / 217.239 / 100 %

إن المشكلة لا تتمثل في أن النفقات التشغيلية غير ضرورية؛ فالدولة تحتاج إلى تمويل التعليم والصحة والأمن والخدمات العامة، كما أن الرواتب تمثل مصدراً أساسياً لمعيشة ملايين المواطنين. لكن المشكلة تظهر عندما تتوسع الالتزامات الجارية بصورة أسرع من قدرة الاقتصاد على توليد الإيرادات، في حين تبقى الاستثمارات الإنتاجية محدودة أو تتعرض للتأجيل والتخفيض عند حدوث أزمة مالية.

وهكذا تتحول الموازنة تدريجياً من أداة للتنمية الاقتصادية إلى أداة لإدارة الالتزامات القائمة وتوزيع الإيرادات النفطية.

ثانياً: النفقات التشغيلية والالتزامات التي يصعب تخفيضها

تتميز النفقات التشغيلية بأنها نفقات متكررة، يرتبط جزء كبير منها بالتزامات قانونية واجتماعية وإدارية لا تستطيع الحكومة إيقافها بسهولة.

فعلى سبيل المثال، لا يمكن إيقاف صرف الرواتب أو تقليص الخدمات الأساسية بصورة مفاجئة عند انخفاض أسعار النفط، كما أن التوسع في التعيينات والالتزامات التقاعدية والرعاية الاجتماعية يؤدي إلى زيادة الإنفاق الذي يتكرر سنوياً.

وتشير الأرقام الأولية إلى أن تعويضات الموظفين على الملاك الثابت تبلغ 68.125 تريليون دينار، بزيادة قدرها 8.951 تريليون دينار، في حين تبلغ مخصصات الرعاية الاجتماعية 33.032 تريليون دينار، بزيادة قدرها 8.329 تريليون دينار.

وبذلك يصل مجموع هذين البندين إلى 101.157 تريليون دينار، أي ما يعادل نحو 46.6% من إجمالي الإنفاق العام.

وهذا يعني أن ما يقارب نصف الموازنة يذهب إلى الرواتب والرعاية الاجتماعية وحدهما، قبل احتساب بقية النفقات التشغيلية، مثل شراء السلع والخدمات والصيانة والطاقة والمستلزمات الحكومية.

ولا ينبغي النظر إلى هذه الأرقام من زاوية تقليل الدعم الاجتماعي أو المساس بحقوق الموظفين، بل من زاوية ضرورة إصلاح إدارة الموارد البشرية في الدولة، وتحسين كفاءة الإنفاق، وربط التوسع في التوظيف بالحاجة الفعلية للمؤسسات الحكومية وقدرة الموازنة على تحمل الالتزامات المستقبلية.

الوسوم: بلال الخليفة