واعتقُل يزن مشعان الجبوري على خلفية اتهامات تتعلق بتحقيق منافع مادية، وأخذ مبلغ 41 مليار دينار، فيما أعلن والده مشعان الجبوري أن التهمة الموجهة لنجله تتعلق بتقديم أموال لدعم “الإعمار والتنمية”، وهو ما فتح الباب أمام تساؤلات أوسع بشأن طبيعة هذه التبرعات وحدودها القانونية.
وتشير أوساط مقربة من يزن الجبوري إلى أنه دفع نحو 25 مليار دينار لصالح تحالف “الإعمار والتنمية” في سياق دعم سياسي، تقول تلك الأوساط إنه يندرج ضمن التمويل الانتخابي، فيما تتحدث تسريبات متداولة عن أن هذه الأموال جاءت مقابل تسهيلات تتعلق بعمل مصرف (FIB)، خاصة وأن مشعان الجبوري أكد أن القضية تعود في أصلها إلى خلاف مالي بين نجله وشريكه كاوه ريكاني، معتبراً أن ما يجري هو نزاع تجاري جرى تكييفه قانونياً ضمن إطار مختلف.
وتُثار أسئلة بشأن امتلاك مفوضية الانتخابات في العراق منظومة رقابية مماثلة من حيث الكفاءة والشفافية، في ظل واقع يشير إلى أن جزءاً من حركة الأموال يبقى خارج نطاق التتبع الدقيق، مع استمرار الاعتماد الواسع على النقد وغياب الإفصاح المالي الكامل، وتتصاعد التساؤلات حول قدرة المفوضية على فرض رقابة فعلية على حجم الإنفاق الانتخابي، ومدى امتلاكها الأدوات التي تمكّنها من كشف مصادر التمويل غير المعلنة، خاصة مع اتساع الفجوة بين السقوف المحددة قانونياً والإنفاق الفعلي على الأرض.
الإنفاق الانتخابي
وتعليقاً على تلك التساؤلات يقول معاون مدير عام دائرة شؤون الأحزاب في المفوضية أحمد إياد، إن “المفوضية وضعت نظاماً خاصاً يُعرف بنظام الإنفاق الانتخابي، يتم من خلاله مراقبة إنفاق المرشحين والأحزاب والتحالفات خلال الحملات الانتخابية”.
ويضيف، أن “النظام حدد سقفاً للإنفاق بواقع 250 ديناراً لكل ناخب ضمن الدائرة الانتخابية، ما يعني أن حجم الإنفاق يرتبط بعدد الناخبين في كل دائرة، ويُمنع تجاوزه تحت أي ظرف، إذ يُلزم بفتح حساب مصرفي خاص بالحملة الانتخابية، يتم تسجيله لدى المفوضية عن طريق محاسب قانوني، وتخضع جميع العمليات المالية من خلاله للرقابة”.
الاحتيال على القانون
وبرغم الحديث عن القوانين الناظمة للإنفاق الانتخابي، إلا أن مختصين يرون أن التبرعات والهبات تمثل واحدة من أبرز الثغرات التي تُستخدم للاحتيال على القيود القانونية، إذ غالباً ما تُقدم خارج الأطر الرسمية، أو عبر واجهات يصعب تتبعها، ويأتي ذلك في ظل تقارير غير رسمية تتحدث عن إنفاق يقترب من 4 تريليونات دينار خلال الانتخابات الماضية، وهو رقم يكشف حجم الفجوة بين ما هو معلن من سقوف إنفاق، وما يُتداول عن واقع التمويل على الأرض.
ويشير المسؤول في المفوضية إلى أن “جميع المصروفات، بما فيها الإعلانات والملصقات والأنشطة الدعائية، يجب أن تُسجل بشكل رسمي، وتكون قابلة للتدقيق من قبل المفوضية خلال فترة الحملة الانتخابية”، مؤكداً أن “أي تجاوز للسقوف المحددة أو مخالفة للضوابط المالية قد يعرّض المرشح أو الجهة السياسية إلى عقوبات تبدأ بالغرامات المالية وقد تصل إلى حد الاستبعاد من المشاركة في الانتخابات”.
ويرى مختصون، أن واقعة يزن مشعان الجبوري قد تفتح باباً خطيراً لإعادة شرعنة المال السياسي تحت لافتة “الدعم الانتخابي”، بما يسمح بتغليف تدفقات مالية مثيرة للجدل بصيغ قانونية فضفاضة، وتحويل التبرعات والهبات إلى واجهة تُمرر من خلالها ممارسات يصعب إخضاعها للرقابة أو المساءلة، محذرين من أن هذا المسار قد يرسخ واقعاً تتداخل فيه حدود التمويل المشروع مع شبهات الرشوة السياسية، ويمنح القوى المتنفذة قدرة أكبر على تدوير الأموال داخل العملية الانتخابية.
وفي الوقت الذي كانت تُبدي فيه مفوضية الانتخابات والأحزاب الحاكمة تشكيكاً في الحديث عن تضخم الإنفاق الانتخابي، وهيمنة المال السياسي، جاءت قضية من قلب الوسط السياسي لتقلب مسار الحديث، وتدفع هذه الملفات إلى الواجهة بوصفها واقعاً قائماً وليس مجرد تقديرات أو اتهامات متبادلة.
تأويلات وتفسيرات
وفي هذا السياق، يقول الخبير في الشأن الانتخابي سعد الراوي، إن “القانون الانتخابي في العراق يعاني من ضعف في الصياغة، وهو عبارة عن فقرات غير متسلسلة وغير واضحة، ما يفتح الباب أمام التفسيرات والتأويلات المختلفة”، مضيفاً أن “هذا الواقع يطرح تساؤلات حول كيفية التزام الأحزاب بتطبيق القانون، ومن الجهة التي تمتلك القدرة الفعلية على محاسبتها في حال المخالفة”.
ويوضح، أن “المفوضية تمتلك سجلات مالية وتعليمات لمتابعة الإنفاق الانتخابي، وتقوم بمتابعة هذه الملفات وفق الضوابط المعتمدة، إلا أن الإشكالية لا تتعلق بوجود التعليمات بقدر ما ترتبط بآليات تطبيقها على أرض الواقع”، مبيناً أن “قوانين الانتخابات في دول أخرى، مثل أستراليا، تُعد نماذج واضحة ومفصلة، إذ يصل قانون الانتخابات هناك إلى مئات الصفحات، ويحدد جميع الإجراءات بشكل دقيق، بما يضمن انتقالاً سريعاً ومنظماً للسلطة خلال فترة زمنية محددة”.
وفي ظل هذا الجدل، تتجه الأنظار إلى طبيعة النظام الانتخابي باعتباره العامل الذي يحدد شكل التمويل السياسي وحجمه، ويضع الإطار الذي تتحرك ضمنه الأحزاب والمرشحون في إدارة حملاتهم الانتخابية.
مال الدولة
إلى ذلك، يقول المحلل السياسي رمضان البدران، إن “عدم تطبيق الدستور واعتماد نظام المحافظة كدائرة انتخابية واحدة أدى إلى توسع جغرافي مفرط، وأصبح على المرشح أن يجمع أصواته من عموم محافظة متنافرة، وهذا يتطلب إمكانات مالية وتنظيمية كبيرة لا تتوفر إلا لدى الأحزاب أو الجهات التي تمتلك ظهيراً سياسياً أو اجتماعياً مؤثراً”.
ويضيف، أن “النظام الانتخابي فرض الحاجة إلى أموال هائلة، ما دفع الأحزاب إلى التوجه نحو الدولة كمصدر رئيسي للتمويل، من خلال التنافس على مقدراتها وتوزيعها وفق نظام المحاصصة، بهدف تغطية متطلبات العملية الانتخابية”.
النظام الانتخابي
ويتابع البدران، أن “الأمر لم يقتصر على المال، بل شمل استغلال الموارد البشرية عبر التعيينات أو تقديم منافع مقابل الدعم الانتخابي، ما أدى إلى إضعاف كفاءة الدولة وإنتاج وظائف غير منتجة على حساب الثروة البشرية”، مؤكداً أن “النظام الانتخابي بصيغته الحالية ساهم في إضعاف منظومة الدولة، وتحويل العملية السياسية إلى صراع على الموارد والسلطة، بدلاً من تمثيل حقيقي للناخبين داخل المؤسسات الدستورية”.
وتُدار عملية تمويل الأحزاب في ديمقراطيات أخرى، مثل الولايات المتحدة، عبر أنظمة واضحة تُلزم الجهات السياسية بتسجيل أسماء المتبرعين وحجم تبرعاتهم، مع توثيق مسارات الإنفاق من خلال قنوات مالية رسمية تعتمد الدفع الإلكتروني، بما يتيح تتبع الأموال والرقابة عليها بشكل مباشر.
التعليقات
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!