صناعة الدليل بالكاميرات الخفية.. جريمة إثبات ام إثبات جريمة؟
العدالة الجنائية لا تُقاس بقدرتها على إدانة المذنب فحسب، وإنما بقدرتها على رفض الإدانة التي تُبنى على وسائل غير مشروعة فإذا أصبح انتهاك الخصوصية طريقًا مقبولًا لصناعة الدليل، فإن القانون يفقد رسالته في حماية الحقوق وتتحول الوسيلة غير المشروعة إلى قاعدة، وهو ما يتعارض مع جوهر دولة القانون.
ويقصد بصناعة الدليل الجزائي إيجاد بيئة أو وسيلة تؤدي إلى إنتاج دليل يمكن الاحتجاج به أمام القضاء. ويختلف ذلك عن مجرد جمع الأدلة الموجودة أصلًا، فجامع الدليل يكتشف حقيقة قائمة بينما صانع الدليل يهيئ الوسيلة التي تنتج ذلك الدليل.
وعندما يقوم شخص بتركيب كاميرا خفية في منزل أو مكتب أو غرفة خاصة دون علم أصحابها، او يحمل معه كاميرا مخفية في ملابسه مثلا فإنه لا يكتفي برصد الوقائع، بل يصنع وسيلة إثبات لم تكن موجودة من قبل، وهو ما يثير تساؤلات حول مشروعية هذا السلوك لا سيما وان الحق في الخصوصية قيد على وسائل الإثبات وان هذا الحق ليس حقًا أخلاقيًا فحسب بل هو حق دستوري وأحد مظاهر الكرامة الإنسانية، ولذلك فإن أي مراقبة خفية للحياة الخاصة ينبغي أن تكون استثناءً لا أصلًا، وأن لا تتم إلا وفق الضمانات التي يقررها القانون وتحت رقابة القضاء.
أن تركيب كاميرا خفية قد يهدف إلى إثبات جريمة، غير أن هذا السلوك قد ينطوي في ذاته على جريمة مستقلة تتمثل في الاعتداء على الخصوصية أو مخالفة الضمانات القانونية والدستورية، ومن هنا تبرز الإشكالية هل نحن أمام وسيلة مشروعة لإثبات الجريمة، أم أمام جريمة ارتُكبت بذريعة إثباتها؟ إن الإجابة عن هذا التساؤل لا تحدد مصير الدليل فحسب بل ترسم الحدود الفاصلة بين اهمية كشف الجرائم وبين حقوق الأفراد في صون حرياتهم.
وبناءً على ذلك، فإن الدليل المتحصل من تركيب كاميرا خفية في مكان خاص دون إذن قضائي يثير شبهة عدم المشروعية، ليس بسبب مضمونه، وإنما بسبب الوسيلة التي صنع بها، فالاعتداء على الخصوصية ايضا جريمة ولا يمكن افلات مرتكبها لمجرد أن التسجيل كشف عن جريمة لأن احترام القانون يسبق البحث عن الحقيقة، ولا يجوز أن تكون مخالفة القانون وسيلة لتطبيقه،
ومن هذا المنطلق فإن قبول مثل هذا الدليل قد يؤدي إلى نتائج خطيرة، منها إضفاء الشرعية على التجسس الفردي، وتشجيع الأفراد على ممارسة أعمال التحري التي هي من اختصاص السلطات العامة، وإضعاف الضمانات الدستورية المقررة لحماية الحياة الخاصة.
ولهذا يرى بعض شراح القانون أن عدم مشروعية الدليل هو جزاء إجرائي يترتب على عدم مشروعية وسيلة الحصول عليه، وليس على عدم صحة الواقعة التي يكشف عنها. فقد تكون الواقعة صحيحة، ولكن الدليل عليها غير مقبول قانونًا بسبب الطريقة التي استُحصل بها.
أن المادة (438) من قانون العقوبات العراقي تعاقب أساسًا على نشر أو إفشاء ما يتعلق بالحياة الخاصة، لكنها لا تنظم بصورة صريحة الفعل السابق على ذلك، وهو تركيب كاميرا خفية بقصد إنتاج دليل أو مراقبة شخص، لا سيما وان قانون الاتصالات اللاسلكية رقم ١٥٩ لسنة ١٩٨٠ قد منع اي شخص طبيعي او معنوي بحيازة اجهزة لاسلكية او تركيبها دون موافقة وزارة الاتصالات استنادا لأحكام المواد ٣ / اولا و١٢ منه، واشترطت لذلك صدور اجازة من الشركة العامة للاتصالات السلكية واللاسلكية آنذاك، ومن هنا يمكن القول إن هناك فراغًا تشريعيًا نسبيًا فيما يتعلق بتجريم "صناعة الدليل" باستخدام وسائل المراقبة الخفية، الأمر الذي يستدعي تدخلًا تشريعيًا يواكب التطور التقني. وان يكون النص يجرم صناعة الدليل بطرق تنتهك الخصوصية حيث إن أخطر ما تفرزه التكنولوجيا ليس تطور وسائل كشف الجريمة وإنما تحول بعض الأفراد إلى صناع للأدلة خارج إطار القانون حيث ان العدالة الجنائية لا تقوم على أي دليل، بل تقوم على الدليل المشروع لأن الحقيقة التي تُستخرج بانتهاك الحقوق لا يمكن أن تكون أساسًا لعدالة حقيقية.