قبل أكثر من عشرين عاماُ سقط النظام الصدامي وارتفعت في صدور العراقيين آمال بحجم المقابر الجماعية، ظنّ أهالي الشهداء والمفقودين والمهجّرين أن العدالة ستنهض أخيراُ من تحت الركام وأن دولةً جديدة ستُبنى على إنصاف الضحايا ومحاسبة الجلادين الذين تلطخت أيديهم بدماء الأبرياء.
لكن ما حدث كان أقرب إلى مفارقة موجعة، كأن التاريخ لم يُطوَ، بل غيّر ملابسه فقط، طبعاً أتحدث هنا عن شريحتين دفعتا أثمن ما يمكن أن يُدفع:
أسر شهداء النظام السابق وأسر شهداء الوطن في مواجهة الإرهاب، خصوصاُ خلال حرب العراق ضد تنظيم داعش، هؤلاء الذين كان يفترض أن يكونوا في صدارة الاهتمام والرعاية، يجدون أنفسهم اليوم على هامش الدولة، ينتظرون حقوقهم عند “شباك صغير”، يقف خلفه موظف فاسد، يتحكم بمصيرهم وكأنّه يمنّ عليهم بما هو حقٌ أصيل لهم.
في المقابل، يظهر مشهد أكثر قسوة:
أشخاص كانوا جزءاُ من آلة القمع، أو على صلة بها، يتقلدون مناصب في الدولة، ويتحدثون علناُ بحنينٍ إلى زمن الاستبداد، دون خوف أو مساءلة. وكأن دماء الضحايا أصبحت مجرد فصلٍ منسي في كتابٍ لا يقرأه أحد.
السؤال المُرّ، أين مؤسسات الدولة التي شُكّلت خصيصاٌ لإنصاف هذه الفئات؟
أين مؤسسة الشهداء، وأين البرامج التي وُعد بها ذوو الضحايا؟
كيف يمكن تفسير منح امتيازات، بل وحتى جوازات دبلوماسية، لأشخاص لا علاقة لهم بالتضحيات، بينما تُترك عوائل الشهداء فريسة الفقر والحاجة؟
الأخطر من ذلك، أن بعض هذه العوائل تُدفع إلى حافة الانكسار، حيث تُستغل حاجتها من قبل ضعاف النفوس، في مشهد يختلط فيه الفساد بالانحطاط الأخلاقي، فتتحول معاناة الأرامل والأطفال إلى ورقة مساومة، بدل أن تكون مسؤولية وطن.
هذه ليست مجرد أزمة خدمات، ولا خلل إداري عابر، إنها أزمة عدالة وأزمة ضمير.
الدول تُقاس بقدرتها على حفظ كرامة من ضحّى لأجلها، لا بعدد شعاراتها ولا بحجم خطاباتها، وإذا كانت دماء الشهداء لا تكفي لبناء دولة عادلة، فبأي شيء تُبنى الأوطان؟
التعليقات
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!