RSS
2026-07-30 11:40:48

ابحث في الموقع

تثبيت أسعار الفائدة الأميركية يشعل انقساماً داخل الأسواق والبنوك

تثبيت أسعار الفائدة الأميركية يشعل انقساماً داخل الأسواق والبنوك
لم ينجح قرار مجلس الاحتياط الفيدرالي الأميركي تثبيت سعر الفائدة في تهدئة الجدل بشأن الاتجاه الذي ينبغي أن تسلكه السياسة النقدية.

فقد كشف التصويت المنقسم داخل لجنة السوق المفتوحة عن اتساع الفجوة بين مَن يرون أن استمرار التضخم يفرض استئناف رفع الفائدة، ومن يعتقدون أن الاقتصاد يحتاج إلى مزيد من الوقت قبل اتخاذ خطوة قد تزيد تكلفة الاقتراض وتضغط على النشاط. وانتقل الخلاف سريعاً إلى الاقتصاديين والمؤسسات المالية، بالتزامن مع تجدد ضغوط الرئيس الأميركي دونالد ترامب المطالبة بخفض الفائدة.

انقسام داخل "الفيدرالي" ورسائل حذرة من وارش

أبقى "الفيدرالي" النطاق المستهدف لسعر الفائدة بين 3.50 و3.75%، بتأييد تسعة أعضاء ومعارضة ثلاثة طالبوا برفعه بمقدار ربع نقطة مئوية. والمعارضون هم رئيسة فرع الفيدرالي في كليفلاند بيث هاماك، ورئيس فرع دالاس لوري لوغان، ورئيس فرع مينيابوليس نيل كاشكاري. ويعكس هذا التصويت تصاعد القلق داخل المؤسسة من بقاء التضخم أعلى من هدف 2%، رغم ظهور مؤشرات متباينة بشأن وتيرة ارتفاع الأسعار.

وحاول رئيس الفيدرالي كيفن وارش في مؤتمره الصحافي، أمس الأربعاء، منع تفسير التثبيت باعتباره تراجعاً عن مواجهة التضخم.

وقال إن "اللجنة لن تتردد في التحرك عندما تستدعي الظروف ذلك"، مؤكداً أنها لن تتسامح مع استقرار التضخم فوق هدف 2%. كما أقر بأن التقدم نحو استقرار الأسعار كان أبطأ مما يريده الأميركيون، لكنه شدد على أن البنك المركزي لا يستطيع معالجة جميع مصادر ارتفاع الأسعار، خصوصاً الصدمات المرتبطة بالطاقة والعرض.

وارش رفض أيضاً تقديم تعهّد واضح بشأن اجتماع أيلول، موضحاً أن السياسة النقدية ستعتمد على البيانات المقبلة واتجاه المخاطر. واعتبر أن ارتفاع أسعار الفائدة طويلة الأجل في الفترة الفاصلة بين اجتماعي حزيران وتموز يمثل تشديداً فعلياً في الظروف المالية، حتى من دون تغيير الفائدة الرسمية. ويمنح هذا التفسير معسكر التثبيت حجته الأساسية، إذ يرى هذا المعسكر أن الاقتصاد يتلقى بالفعل قدراً من التشديد عبر الأسواق، ولا يحتاج بالضرورة إلى رفع فوري للفائدة.

انقسام الاقتصاديين والمؤسسات المالية

في المقابل، رأى الرئيس التنفيذي للشركة الأميركية لإدارة الاستثمارات "فيفتي بارك" آدم سرحان، أن امتناع الفيدرالي عن رفع الفائدة منح الاقتصاد بعض المساحة، ووصف القرار في تصريح لوكالة رويترز بأنه "أقرب ما يمكن إلى التيسير النقدي من دون خفض فعلي". ويعبر هذا الموقف عن رؤية تخشى أن يتحول تشديد إضافي إلى عبء غير ضروري إذا كانت موجة التضخم الحالية ناتجة أساساً عن عوامل مؤقتة وخارجية.

واتخذ كبير مسؤولي الاستثمار لدى الشركة الأميركية لخدمات إدارة الثروات "أوريون أدفايزر سولوشنز" تيم هولاند، موقفاً مشابهاً.

وقال لـ"رويترز" إن "الفيدرالي يحتاج إلى معرفة ما إذا كان ارتفاع أسعار الطاقة سيستمر، وما إذا كان سينتقل إلى توقعات المستهلكين وبقية مكونات التضخم". واعتبر أن رفع الفائدة يمكنه الحد من الطلب، لكنه لا يستطيع زيادة إنتاج النفط أو إنهاء الاضطرابات الجيوسياسية التي ترفع تكاليف الطاقة.

أما كبير مسؤولي الاستثمار لدى الشركة الأميركية لإدارة المحافظ والاستشارات الاستثمارية "أنجلس إنفستمنتس" مايكل روزن، فانتقد التأجيل ضمنياً. وقال لـ"رويترز" إنه "إذا كان الفيدرالي يتوقع أن يضطر إلى رفع الفائدة في أيلول، فمن المشروع التساؤل عن سبب عدم القيام بذلك في تموز". وعكس موقفه رأي المعسكر الذي يخشى أن يؤدي الانتظار إلى ترسيخ التضخم وإجبار البنك المركزي لاحقاً على اتخاذ خطوة أشد.

من جهته، أشار كبير استراتيجيي الأسواق في المؤسسة الأميركية لإدارة الثروات "كارسون غروب" ريان ديتريك، إلى أن استمرار التضخم وارتفاع أسعار الطاقة يدعمان المطالبين بالرفع، في حين أظهرت بعض البيانات الأخيرة تباطؤاً في أسعار السكن والسيارات والملابس. وهذا التباين، وفق قراءته التي أدلى بها لـ"رويترز"، يجعل القرار المقبل رهيناً بمسار البيانات أكثر من أي توجيه مسبق.

ومن جانب المؤسسات المالية، كتبت رئيسة الدخل الثابت وحلول السيولة في غولدمان ساكس لإدارة الأصول، كاي هاي، في تعليق مكتوب وزعته المؤسسة على عملائها عقب قرار الفيدرالي، أن "الأصوات الثلاثة المعارضة للتثبيت تكشف أن البنك المركزي بدأ يفقد صبره تجاه استمرار التضخم فوق هدف 2%". وأضافت أن "ارتفاع أسعار الطاقة عزّز التوجه المتشدد داخل اللجنة"، معتبرة أن رفع الفائدة في سبتمبر أصبح السيناريو الأكثر ترجيحاً، مع بقاء القرار النهائي رهيناً ببيانات التضخم المقبلة.

وقالت كبيرة الاقتصاديين في شركة الخدمات المالية الأميركية "ستيفل"، ليندسي بيغزا، في تصريح نقلته "ماركت ووتش"، إن "عدداً من مسؤولي الفيدرالي يعتقدون أن التضخم قد يتراجع تدريجياً خلال النصف الثاني من العام مع انحسار أثر الرسوم الجمركية واستقرار أسعار الطاقة"، وهو ما يبرر الإبقاء على الفائدة دون تغيير في الوقت الحالي.

وحافظت "جيه بي مورغان" على قراءة أقل تشدداً. ووفق ما نقلته منصة "ماركت ووتش" عقب القرار، ترى المؤسسة أن التضخم قد يتراجع من دون تدخل إضافي، خصوصاً في ظل محدودية قدرة العمال على فرض زيادات كبيرة في الأجور، واحتمال انحسار اضطرابات الطاقة. ويضع هذا التقدير البنك في الجانب الذي يفضل الانتظار بدلاً من استباق البيانات برفع جديد.

في الاتجاه المقابل، قال كبير الاقتصاديين في معهد المشاريع التنافسية الأميركي رايان يونغ، إن "رفع الفائدة أصبح أقرب بعد ظهور ثلاثة أصوات معارضة للتثبيت". واعتبر، وفق ما نقلته "ماركت ووتش"، أن الانقسام داخل اللجنة يشير إلى وجود كتلة متنامية ترى أن السياسة الحالية لم تعد كافية لإعادة التضخم إلى الهدف.

أسواق السندات تعيد تقييم موقف "الفيدرالي"

وقال المدير الإداري للدخل الثابت في شركة هاي لاين لإدارة الأصول ومؤسس "فيد ووتش أدفايزرز"، بن إيمونز، في تصريح نقلته وكالة بلومبيرغ، إن "الاستمرار في تبني خطاب متشدد من دون اتخاذ إجراءات فعلية يترك للأسواق مهمة تشديد الأوضاع المالية بدلاً من البنك المركزي نفسه". وحذر من أن هذه الاستراتيجية قد تنقلب على الفيدرالي إذا تسارع التضخم مجدداً، لأن المستثمرين قد يعتبرون أن البنك المركزي تأخر مرة أخرى في الاستجابة.

وأشارت "بلومبيرغ" إلى أن هذا التقييم دفع بعض كبار مديري المحافظ العالمية إلى إعادة النظر في توزيع استثماراتهم بعيداً عن سوق السندات الأميركية، مع تزايد الشكوك بشأن قدرة "الاحتياط الفيدرالي" على إعادة التضخم إلى هدفه.

بدوره، اعتبر مارك كرانفيلد، محلل الأسواق في "بلومبيرغ"، أن "متداولي الاقتصاد الكلي بدأوا يملؤون الفراغ الذي تركه الاحتياط الفيدرالي، بعدما أصبحوا يصدرون أحكامهم الخاصة على مسار السياسة النقدية، في ظل غياب إشارات حاسمة من البنك المركزي".

وفي السياق ذاته، قال رئيس الدخل الثابت لمنطقة آسيا والمحيط الهادئ في شركة "بلاك روك"، نافين سايغال، في مذكرة اطلعت عليها "بلومبيرغ"، إن "اعتماد الفيدرالي بصورة أكبر على تشديد الأوضاع المالية عبر الأسواق يجعل المستثمرين أقل تعويضاً عن المخاطر المرتبطة بالرهان على اتجاه أسعار الفائدة". ودعا إلى التركيز على تنويع المحافظ الاستثمارية والاستفادة من الفرص التي توفرها أسواق السندات الآسيوية، معتبراً أن السندات الحكومية الصينية لا تزال تمثل ملاذاً دفاعياً في سوق عالمية تتزايد فيها الانقسامات.

الأسواق تترجم الانقسام إلى رسائل مباشرة

وكتب المحلل المالي الألماني هولغر تشابيتز، على منصة إكس، أن "الفيدرالي أبقى الفائدة دون تغيير رغم مطالبة ثلاثة أعضاء برفعها"، معتبراً أن البيان لم يتضمن جديداً مهماً. ويلخص تعليقه الانطباع الذي تكوّن لدى جانب من المتابعين عقب القرار، إذ لم يقدم البيان مساراً واضحاً للفائدة، بينما كشف التصويت عن خلاف أكبر.

أما رئيس الشركة الأميركية المتخصصة في أبحاث الاقتصاد والأسواق "بيانكو ريسيرش" جيم بيانكو، فركز في منشوراته على أن التضخم ما زال يمثل مشكلة لم يعالجها الفيدرالي بالحزم الكافي.

وكتب المحلل المالي في صحيفة "دي فيلت" الألمانية، هولغر تشابيتز، في منشور على منصة إكس بعد انتهاء المؤتمر الصحافي، أن منحنى عوائد سندات الخزانة الأميركية ازداد انحداراً عقب تصريحات كيفن وارش، في إشارة إلى أن الأسواق لم تعتبر التثبيت نهاية لاحتمال رفع الفائدة.

كرار الاسدي

كرار الاسدي

كاتب في وكالة نون الخبرية

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!