تعد قصة الكهرباء في العراق واحدة من أكثر الفصول تراجيدية في تاريخ الدولة العراقية الحديث؛ فهي ليست مجرد أزمة تقنية أو نقص في الموارد، بل هي “الثقب الأسود” الذي ابتلع ميزانيات هائلة، ومرآة تعكس بعمق تشابك الفساد السياسي، وسوء التخطيط الإداري، والارتهان للصراعات الإقليمية والدولية. منذ عام 2003 وحتى يومنا هذا، تحولت الكهرباء من خدمة أساسية إلى حلم بعيد المنال للمواطن العراقي، وصار صيف العراق اللاهب اختباراً سنوياً لفشل الحكومات المتعاقبة في إيجاد حل جذري لمعضلة استنزفت ثروات البلاد دون جدوى.
أرقام فلكية وواقع بائس
عند الحديث عن الجانب المالي، يصاب المراقب بالذهول من حجم الإنفاق الذي لم يوازه أي تحسن ملموس. تشير البيانات الرسمية والنيابية إلى أن المبالغ المرصودة لوزارة الكهرباء منذ عام 2005 ولغاية 2023 بلغت رقماً فلكياً يتجاوز 1596 تريليون دينار عراقي. ورغم هذا الإنفاق الذي كان كفيلاً ببناء شبكات كهربائية تضاهي أحدث المنظومات العالمية، إلا أن العجز لا يزال سيد الموقف. ففي عام 2023 احتاج العراق إلى نحو 35 ألف ميغاواط بينما لم يتجاوز الإنتاج الفعلي عتبة 26 ألف ميغاواط في أحسن أحواله. هذا الفارق الشاسع ليس نتاج صدفة بل هو ثمرة تهالك المحطات القديمة وغياب الرؤية الاستراتيجية وتفشي الفساد الذي جعل التكاليف التشغيلية (9.3 مليار دولار في عام 2019 وحده) تبتلع الإيرادات الهزيلة التي لم تصل إلى مليار دولار مما يهدد بتدمير ميزانية الدولة وإحداث اختلال مالي هيكلي.
الفساد: المؤسسة الموازية
لا يمكن قراءة أزمة الكهرباء بعيداً عن غول الفساد الذي تغلغل في مفاصل الوزارة إحصائيات هيئة النزاهة ترسم صورة قاتمة إذ شملت قضايا الفساد أكثر من 2645 متهماً بينهم 7 وزراء و127 مديراً عاماً. هذا التوصيف القانوني يعني أن القطاع كان يُدار بعقلية “الغنائم” وليس بعقلية الخدمة العامة. العقود الوهمية والعمولات في صفقات الصيانة وسرقة الوقود كلها عوامل حولت وزارة الكهرباء إلى ما يشبه “ثقباً مالياً” لا يشبع حيث تضيع الأموال في دهاليز المحاصصة السياسية والولاءاتالحزبية، الذي يعيق أي محاولة إصلاح حقيقية قد تنتهي سيطرة المستفيدين من غستمرار الأزمة.
الأرتهان للخارج والجغرافيا السياسية
بجانب الفشل الداخلي، يظهر البعد بجانب الفشل الداخلي والإقليمي كعمل رئيسي في بقاء الظلام. اعتمد العراق بشكل كبير على الغاز المستورد من إيران لتشغيل محطاته، وهذا الاعتماد جعله رهينة الصراعات السياسية والعقوبات الأمريكية على طهران. ومع تكرار انقطاع إمدادات الغاز الإيراني أو تراجعها، يجد العراق نفسه في مواجهة انقطاعات شاملة. وفي محاولة لكسر هذا الاحتكار، اتجهت الدولة نحو مشاريع الربط الشبكي مع دول الخليج والأردن وتركيا. ورغم أن هذه الخطوات تهدف لتنويع مصادر الطاقة وتقليل الاعتماد على الغاز الإيراني، إلا أنها تظل حلولاً تكميلية وليست جوهرية؛ إذ إن الكميات المستوردة عبر هذه الربوط تظل ضئيلة مقارنة بحجم الطلب الفعلي، كما أن الجداول الزمنية لتنفيذها غالباً ما تصطدم بالبيروقراطية والتوترات الأمنية.
جمهورية المولدات: الاقتصاد الموازي القاسي
في ظل عجز الدولة، نشأ اقتصاد موازٍ يقوده أصحاب المولدات الأهلية، وهو قطاع تحول إلى “شر لا بد منه”. كشفت وزارة التخطيط عن وجود ما يقرب من 48,500 مولد ديزل في العراق، تخدم أكثر من 6.7 مليون مشترك. هذا القطاع يمثل عبئاً مالياً ثقيلاً على كاهل المواطن البسيط الذي يضطر لدفع مبالغ طائلة للحصول على “الأمبيرات”، في وقت يعاني فيه أصحاب المولدات أنفسهم من شح الوقود المدعوم وارتفاع تكاليف التشغيل. هذه المنظومة البديلة، رغم ضرورتها الحالية، تكرس غياب الدولة وتخلق طبقة من المنتفعين الذين قد لا يصب في مصلحتهم استقرار التيار الكهربائي الحكومي.
الحلول الترقيعية مقابل الإصلاح الهيكلي
تستمر الحكومات في اللجوء إلى “المسكنات” بدلاً من العمليات الجراحية الكبرى. استئجار سفن الطاقة التركية أو التعاقدات السريعة مع شركات عالمية مثل “سيمنز” و”جنرال إلكتريك” لم تسفر إلا عن نتائج جزئية. المشكلة الأعمق تكمن في ضياع الطاقة خلال التوزيع والسرقات الممنهجة من الشبكة وفشل مشاريع استثمار الغاز المصاحب الذي يُحرق في الحقول النفطية العراقية بينما تستورد البلاد الغاز بمليارات الدولارات. إنها مفارقة مؤلمة: بلد يمتلك ثالث أكبر احتياطي نفطي يحرق غازه في السماء ويستورد النور من جيرانه.
الخاتمة:
هل من ضوء في نهاية النفق؟ إن أزمة الكهرباء في العراق هي اختصار لقصة الدولة ما بعد 2003؛ فالموارد موجودة، والخبرات متوفرة، والتمويل كان متاحاً بغزارة، لكن ما غاب هو “الإرادة السياسية” والنزاهة. إن الحل لا يكمن في زيادة الإنتاج فحسب، بل في إصلاح منظومة الجباية، ووقف الهدر في التوزيع، واستثمار الغاز الوطني، وقبل كل ذلك استئصال شأفة الفساد الذي يتغذى على الظلام.
التعليقات
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!