RSS
2026-08-25 13:30:09

ابحث في الموقع

أزمات المعيشة تدفع العراقيين إلى تقليص الإنجاب

أزمات المعيشة تدفع العراقيين إلى تقليص الإنجاب
قبل سنوات ليست بعيدة، كانت الأسرة العراقية التقليدية، في المدن والأرياف على السواء، تضم نحو عشرة أبناء، وتمتلئ البيوت بالحركة والضجيج، فيما كان الآباء والأمهات ينظرون إلى كثرة الأبناء بوصفها سنداً للعائلة، فضلاً عن كون كثرة الإنجاب جزءاً من الثقافة الاجتماعية الراسخة. لكن هذا المشهد تغير بصورة لافتة خلال السنوات الأخيرة.

ومع ارتفاع تكاليف المعيشة والتعليم والرعاية الصحية والسكن، بات الكثير من الأزواج يعيدون النظر في عدد الأطفال الذين يرغبون في إنجابهم، مفضلين الاكتفاء بطفلين أو ثلاثة على الأكثر، رغم أن غالبيتهم نشأوا داخل أسر كبيرة العدد. لم يعد القرار مرتبطاً بالرغبة الشخصية، بل أصبح محكوماً بحسابات الدخل الشهري، وقدرة الأسرة على توفير التعليم والرعاية الصحية، إلى جانب توفر الوقت اللازم لتربية الأطفال في ظل متطلبات العمل المتزايدة، ما جعل الأسرة الصغيرة ضرورة فرضتها الظروف.

يقول ماجد كريم (42 سنة)، وهو موظف حكومي وأب لطفلين في المرحلة الثانوية، إنه قرر مع زوجته، وهي موظفة أيضاً، الاكتفاء بطفلين، رغم أنهما تربيا داخل أسرتين كبيرتين، وكان وجود عدد كبير من الإخوة أمراً طبيعياً. ويوضح أن "ظروف الحياة تغيرت كثيراً، فاليوم لا يكفي أن توفر الطعام والملابس، بل عليك أن تؤمّن تعليماً جيداً، ودروساً إضافية أحياناً، ورعاية صحية مناسبة، وأن تتابع تصرفات أبنائك يومياً، وكل هذا يحتاج إلى وقت وجهد ومال".

بدورها، تقول زوجته منار كاظم إن دخلها ودخل زوجها بالكاد يكفيان لتغطية احتياجات الأسرة. وأضافت: "لو كان لدينا أربعة أو خمسة أطفال لما استطعنا أن نوفر لهم المستوى نفسه من الرعاية والاهتمام والتعليم. الأنسب أن يحصل طفلان على تربية ورعاية أفضل بدلاً من أن يتقاسم عدد أكبر من الأطفال الإمكانات المحدودة".

يتفق الزوجان على أن الأمر لا يتعلّق بعدم الرغبة في إنجاب المزيد من الأطفال، وإنما بالإحساس بالمسؤولية، ويؤكدان أن الوالدين مطالبان حالياً بالحضور المستمر في حياة أبنائهم، وليس مجرد توفير احتياجاتهم الأساسية كما كان سائداً في العقود السابقة.

تتكرر هذه القناعة لدى الكثير من الأزواج، وإن اختلفت تفاصيل حياتهم وتجاربهم، فبعضهم يقارن بين طفولته داخل أسرة كبيرة العدد، وبين واقع الحياة الحالي، ويؤكد أن الفارق لا يكمن في عدد الأبناء، بل في طبيعة الحياة وكلفتها.

تقول ابتهال السعيدي (37 سنة)، وهي ربة بيت، إنها كانت أصغر أفراد أسرتها التي ضمت الأب والأم وخمسة أولاد وثلاث بنات، وإنها تستعيد ذكريات طفولتها بالكثير من الحنين.

وتوضح أن "الحياة كانت أبسط من كل النواحي، بينما الأوضاع حالياً مختلفة كلياً. يمتلك زوجي ورشة لبيع الدراجات وإصلاحها، واتفقنا قبل سنوات على الاكتفاء بثلاثة أطفال، ابنتين وصبي، لأننا ندرك طبيعة ظروفنا المعيشية. كل شيء أصبح يحتاج إلى إنفاق أكبر، التعليم والملابس والطبابة، وحتى الأنشطة الترفيهية، ولم يعد بالإمكان تربية عدد كبير من الأطفال بالمستوى الذي يتمناه الأبوان، لذا قررنا أن ثلاثة أطفال هو العدد المناسب الذي نستطيع تحمل مسؤولياته".

وبينما تحضر الظروف الاقتصادية بقوة في قرارات الكثير من الأسر، فإن التحولات الاجتماعية وتغير طبيعة الحياة لا يقلان تأثيراً في رسم صورة الأسرة العراقية الجديدة. تقول الموظفة العراقية زهراء علي (29 سنة) إن زوجها يعمل سائق حافلة، وإنهما كانا يحلمان في بداية زواجهما بتكوين أسرة كبيرة على غرار الأسرتين اللتين تربيا فيهما، لكن الواقع فرض عليهما حسابات مختلفة.

وتوضح: "تزوجنا قبل خمسة أعوام، ولدينا حالياً طفل واحد. كنت أتمنى، وكذلك زوجي، إنجاب عدد أكبر من الأطفال، لكن ظروفنا الحياتية تجعلنا نفكر كثيراً قبل اتخاذ قرار الإنجاب مجدداً. ربما ننجب طفلاً آخر في المستقبل، والأمر يعتمد على قدرتنا على تحمل مسؤولية تربيته. التربية أصبحت أكثر صعوبة من الماضي بسبب ظروف الحياة الحديثة. الحياة حالياً أكثر مللاً مقارنة بما أسمعه من والديّ عن تفاصيل حياتهما، ففي الماضي كان الناس يتزاورون باستمرار، ويقضون أوقاتاً أطول مع العائلة، أما اليوم فأصبح التفكير منصباً على العمل لتغطية المصروفات. هذه حياة مفروضة علينا أكثر مما هي خيار نريده".

ولا تقف التحولات عند حدود التجارب الفردية، بل يراها مختصون انعكاساً لتغيرات اجتماعية عميقة ضربت المجتمع العراقي خلال العقود الأخيرة. يقول الأكاديمي واثق عباس، إنّ "الأسرة العراقية كانت في السابق تقوم على ثقافة القناعة والاكتفاء بالأشياء البسيطة، ما جعل تربية عدد كبير من الأبناء أمراً ممكناً بالنسبة لغالبية العائلات. كان المجتمع أكثر ترابطاً، وكانت العلاقات العائلية الممتدة تؤدي دوراً مهماً في مساعدة الآباء والأمهات على تربية عدد كبير من الأطفال، فضلاً عن اختلاف النمط الاستهلاكي مقارنة بما هو عليه اليوم".

ويؤكد عباس أن "ارتفاع نسب الطلاق داخل المجتمع العراقي أسهم أيضاً في تغيير طريقة تفكير الكثير من الأزواج، فبعضهم يخشى أن يؤدي وجود عدد كبير من الأطفال إلى تعقيد الأوضاع الأسرية في حال حدوث الانفصال، سواء من الناحية النفسية أو الاجتماعية أو الاقتصادية".




المصدر: العربي الجديد
كرار الاسدي

كرار الاسدي

كاتب في وكالة نون الخبرية

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!