يثور الإشكال القانوني في العقد الباطل لا عند تقرير بطلانه فحسب، بل عند البحث عما خلّفه تنفيذه من آثار واقعية؛ فقد يكون العقد معدوم الأثر في حكم القانون، ومع ذلك يكون أحد المتعاقدين قد دفع الثمن، أو سلّم المبيع، أو مكّن الآخر من الانتفاع بالمال سنوات طويلة، وعندئذ لا تكفي العبارة التي تقرر أن العقد لا ينعقد ولا يفيد الحكم أصلاً، لأن الواقع المادي الذي صنعه الطرفان يحتاج إلى معالجة تعيد التوازن بينهما من غير أن تمنح العقد الباطل أثراً لم يقره القانون، ومن هذا المنطلق جاءت المادة (١٣٨) من القانون المدني رقم (٤٠) لسنة ١٩٥١ لتجمع بين نفي أثر العقد الباطل وإعادة المتعاقدين إلى الحالة السابقة، فإذا استحال ذلك جاز الحكم بتعويض معادل، وبذلك انتقل القضاء من إعلان البطلان إلى بناء معالجة عملية لمحو آثاره.
فالعقد الباطل، وفق المادة (١٣٧) من القانون المدني، هو ما لا يصح أصلاً باعتبار ذاته أو وصفاً باعتبار بعض أوصافه الخارجية، ولهذا لا يصلح أساساً للمطالبة بالتنفيذ أو الفسخ أو التعويض العقدي، وقد أكدت المادة (١٤١) أن لكل ذي مصلحة أن يتمسك بالبطلان، وللمحكمة أن تقضي به من تلقاء نفسها، وأنه لا يزول بالإجازة، غير أن نفي آثار العقد لا يعني ترك ما تسلمه كل طرف تحت يده، لأن الالتزام بالرد ينشأ من حكم القانون الذي يمنع أن يكون البطلان وسيلة لإثراء أحد المتعاقدين على حساب الآخر، ومن هنا يجب التمييز بين أثر العقد الذي ينفيه البطلان، وأثر واقعة التسليم أو الدفع أو الانتفاع التي تستوجب التسوية ولو كان مصدرها عقداً لا وجود له قانوناً.
وقد ظهرت الصورة الأساسية لهذا الاتجاه في قرار محكمة التمييز الاتحادية رقم (٢٩٦- الهيئة الموسعة المدنية-٢٠٢١) المؤرخ في ١٣-٩-٢٠٢١، وكان النزاع متعلقاً ببيع مركبة خارج دائرة المرور، فقررت المحكمة أن البيع لم ينعقد لعدم استيفائه الشكل القانوني، إلا أنها عدّت للبائع الحائز حقاً في استرداد المركبة، وللمشتري حقاً في استرداد البدل، وقررت أنه إذا استحال رد ما تسلمه كل منهما جاز الحكم بتعويض معادل، وتكمن أهمية القرار في فصله بين الملكية المسجلة والعلاقة الردّية بين طرفي العقد الباطل؛ فالرد لا ينقل الملكية ولا يصحح البيع، وإنما يعيد الحيازة والبدل إلى ما كانا عليه قبل التعاقد، وبذلك وضع أساس فهم إعادة الحال بوصفها أثراً قانونياً مستقلاً عن العقد الباطل.
ثم جاء قرار الهيئة الموسعة المدنية رقم (٥٤-٢٠٢٢) المؤرخ في ٢١-٢-٢٠٢٢ ليؤكد هذا المعنى، فعدّ بيع المركبة غير المسجل باطلاً، وأوجب إعادة السيارة إلى البائع وإن لم تكن مسجلة باسمه، باعتباره الحائز الذي سلّمها عند البيع، وفي هذا التطبيق دلالة مهمة؛ لأن إعادة الحال لا تحسم الملكية في مواجهة الكافة، بل تصفي ما جرى بين المتعاقدين، فيرد كل طرف ما قبضه من الآخر، ويبقى حق المالك المسجل أو الغير محفوظاً، وإلا أصبحت الشكلية سبباً لبقاء المبيع بيد المشتري والثمن بيد البائع معاً، خلافاً للغاية التي ابتغاها المشرع من المادة (١٣٨) مدني.
وفي القرار رقم (٦٥١٣- الهيئة الاستئنافية عقار-٢٠٢٤) المؤرخ في ٢٣-٦-٢٠٢٤، اتسع التطبيق إلى عقد مساطحة اشتمل على مخالفات قانونية جسيمة وجهالة فاحشة وتفريط بحقوق أحد المتعاقدين، فقررت المحكمة بطلانه استناداً إلى المادتين (١٣٧ و١٣٨) مدني، وأشارت إلى أن البطلان كان محل خفاء مما يجيز لها التصدي له، وأهمية القرار تمتد إلى دور المحكمة في كشف البطلان؛ إذ لا يحول الوصف الذي يضعه الخصوم للعقد دون إنزال حكم القانون عليه، ولا سيما حين تمس المخالفة النظام العام أو تكشف عن اختلال جوهري في أوصاف العقد، فالبطلان حكم موضوعي تملكه المحكمة متى ظهرت وقائعه وأتيح للخصوم مناقشتها.
وفي سنة ٢٠٢٥، أخذ القضاء يضبط حدود إعادة الحال، ففي القرار رقم (٨٧- الهيئة الاستئنافية منقول-٢٠٢٥) المؤرخ في ١٢-١-٢٠٢٥، كان المدعي قد استرد بدل بيع عقار تم بعقد خارجي باطل، ثم طالب بالفوائد عن المبلغ، فقررت المحكمة أن العقد الباطل لا يلحقه التعويض، وأن الفوائد صورة منه، فلا تستحق من دون نص خاص، وهذا القرار يميز بين التعويض المعادل في المادة (١٣٨) والتعويض العقدي؛ فالأول بديل عن الرد العيني عند استحالته ووسيلة لمحو الأثر المادي للبطلان، أما الثاني فيفترض عقداً صحيحاً وقع الإخلال به، ولا يجوز الحكم به على أساس عقد لم ينعقد أصلاً، وإلا أعيد إلى العقد الباطل أثره من طريق التعويض بعد نفيه من طريق البطلان.
ثم أكد القرار رقم (٥٤٧- الهيئة الاستئنافية منقول-٢٠٢٥) المؤرخ في ٥-٢-٢٠٢٥ أن الفسخ يرد على العقود الصحيحة لا الباطلة، وكان العقد محل الدعوى باطلاً لعدم تسجيله لدى مسجل الشركات، فقررت المحكمة أن طلب فسخه لا سند له، مع بقاء حق المدعي في استرداد المبلغ المدفوع، وهذه التفرقة ليست لفظية؛ لأن الفسخ يفترض عقداً صحيحاً طرأ الإخلال بتنفيذه، أما البطلان فيرجع إلى تكوين العقد ويمنع قيامه منذ الأصل، ومن ثم يكون الطريق الصحيح هو التمسك بالبطلان والمطالبة بالرد لا طلب الفسخ والتعويض، فصحة التكييف هي التي تحدد الحماية الممكنة وتمنع ضياع الحق بسبب الخلط بين نظامين مختلفين.
غير أن إعادة الحال ليست حقاً أحادياً يسترد به أحد الطرفين ما دفعه مع احتفاظه بالمنفعة، وهذا ما كشف عنه القرار رقم (١٢١- الهيئة الاستئنافية عقار-٢٠٢٥) المؤرخ في ٢٩-٤-٢٠٢٥، إذ طالب المشتري بإعادة بدل عقد يتعلق بمحلات مشيدة على حق مساطحة بعد أن ظل منتفعاً بها وقابضاً لإيراداتها طوال مدته، فقررت المحكمة أن إعادة البدل ترتبط بإعادة ما استوفاه من منافع، واستندت إلى قاعدة (الغُرم بالغُنم)، وانتهت إلى رد الدعوى، وتبرز قيمة القرار في أنه أخرج إعادة الحال من صورتها الحسابية البسيطة؛ فالرد لا يقتصر على المبيع والثمن، بل يشمل المنافع التي تمنع إثراء أحد الطرفين، فإذا تعذر ردها عيناً وجب تقويمها وموازنتها بما يطلب استرداده، وإلا أصبح البطلان ذاته مصدراً لكسب لا يقره القانون.
وفي القرار رقم (٥٨٧- الهيئة الاستئنافية منقول-٢٠٢٦) المؤرخ في ٤-٢-٢٠٢٦، طبقت المحكمة هذا الاتجاه على بيع مركبة بعقد خارجي، كان المشتري قد أعادها إلى البائع من دون أن يسترد ثمنها، فقررت حقه في المطالبة بالمبلغ سواء كان ثابتاً في عقد البيع أم في وصل أمانة أم في سند آخر، لأن مصدر الرد هو واقعة دفع المال، أما المحرر فوسيلة لإثباتها، ولذلك لا يغير عنوان السند من طبيعة الحق، ولا يجوز اتخاذ بطلان البيع ذريعة لإنكار قبض الثمن مع ثبوته، فالبطلان يهدم الرابطة العقدية ولا يهدر الدليل على تنفيذها المادي.
ثم جاء القراران رقم (٦٩٣- الهيئة الاستئنافية منقول-٢٠٢٦) المؤرخ في ٨-٢-٢٠٢٦، ورقم (١٠٢٧- الهيئة الاستئنافية منقول-٢٠٢٦) المؤرخ في ٢٤-٢-٢٠٢٦، ليقدما صورتين متكاملتين؛ ففي الأول عُدّ عقد المشاركة باطلاً لعدم استيفاء التسجيل، فقررت المحكمة أن الفسخ لا يرد على العقد الباطل، وفي الثاني عُدّ استثمار مبلغ في مذخر أدوية باطلاً لمخالفته قانون مزاولة مهنة الصيدلة، ومع ذلك ألزمت من تسلم المبلغ برده، وبهذين القرارين استقر الفصل بين أمرين يختلطان في العمل؛ فلا فسخ حيث لا يوجد عقد صحيح، ولا بقاء للمال عند من تسلمه لأن سبب دفعه قد بطل، فامتناع الفسخ لا يعني امتناع الرد، بل إن الرد يعيد التوازن بعد سقوط الأساس التعاقدي.
ومن مجموع هذه القرارات، يمكن القول إن قضاء محكمة التمييز الاتحادية بنى آثار العقد الباطل على تدرج واضح؛ بدأ بإقرار الرد المتبادل في البيع الشكلي الباطل، ثم أكد سلطة المحكمة في التصدي للبطلان المتصل بالنظام العام، وبعد ذلك فصل بين الرد والتعويض العقدي، وميز البطلان من الفسخ، وأدخل المنافع ضمن حساب إعادة الحال، وأخيراً قرر أن اختلاف المحررات المثبتة للدفع لا يغير حق الاسترداد، وبهذا لم تعد المادة (١٣٨) عبارة تعيد الطرفين نظرياً إلى الماضي، بل أصبحت منهجاً يقوم على تحديد ما تسلمه كل طرف وما استوفاه من منفعة، ومدى إمكان الرد العيني، ثم الانتقال عند الاستحالة إلى التعويض المعادل، مع منع الجمع بين استرداد ما دفعه المتعاقد والاحتفاظ بما كسبه من التنفيذ.
والذي يستوقف المتأمل حقاً أن البطلان، على شدته، لا يقصد إلى معاقبة المتعاقدين بقدر ما يقصد إلى إعادة المشروعية والتوازن معاً؛ فهو يهدم العقد المخالف، لكنه لا يترك آثاره المادية من دون تسوية، ومن هنا تبدو إعادة الحال الوجه العملي للبطلان، لأنها تمنع العقد من إنتاج أثره المقصود، وتمنع أن يكون سقوطه سبباً لإثراء أحد طرفيه، ولذلك لا تظهر دقة القضاء في إعلان البطلان فحسب، بل في اختيار الأثر الذي يمحو التنفيذ من غير أن يحيي العقد؛ فلا يُفسخ ما لم ينعقد، ولا يُنفذ ما أبطل، ولا يُترك ما دُفع بغير سبب عند قابضه، وعند هذه النقطة تتحول المادة (١٣٨) من حكم على العقد إلى ميزان يعيد لكل طرف ما له، ويحمّله تبعة ما عاد عليه من منفعة.
التعليقات
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!