RSS
2026-09-24 17:28:24

ابحث في الموقع

شيخوخة القوانين الشابة وغيبوبة المشاريع الكبرى.. البرلمان أمام تركة تشريعية تمتد لعشرين عاماً

شيخوخة القوانين الشابة وغيبوبة المشاريع الكبرى.. البرلمان أمام تركة تشريعية تمتد لعشرين عاماً
من النفط والغاز إلى المحكمة الاتحادية ومجلس الاتحاد، بقيت تشريعات أساسية عالقة لسنوات طويلة رغم ارتباط بعضها باستحقاقات دستورية، وفي الجهة المقابلة يعود البرلمان إلى فتح قوانين أُقرت في سنوات أقرب لإجراء تعديلات عليها، وبين مسارين غريبين تبدو المؤسسة التشريعية أمام اختبار يتجاوز تمرير المزيد من القوانين إلى مراجعة جودة ما يُشرع، وقدرة الدولة أساساً على تحويل النصوص القانونية إلى سياسات قابلة للتنفيذ.

300 مقترح

ويقول مصدر نيابي مطلع، إن “الأرقام المتوفرة تؤشر وجود نحو 300 مشروع ومقترح وتعديل قانون، وطلبات للتعديل، موزعة بين تشريعات مدورة من دورات سابقة، ومشاريع وصلت من الحكومة والجهات المخولة دستورياً، ومقترحات أعدتها اللجان والكتل النيابية، فضلاً عن قوانين أعيد فتحها لغرض التعديل، لكن هذا الرقم لا يعني أن جميعها جاهزة للتصويت، إذ تختلف مراحلها بين الدراسة داخل اللجان والقراءة الأولى والثانية وانتظار التوافق أو استكمال المتطلبات المالية والفنية”.

ويضيف المصدر، الذي طلب عدم الكشف عن اسمه، أن “هناك توجهاً نيابياً لمراجعة وتعديل نحو 20 قانوناً نافذاً خلال المرحلة المقبلة، بعضها شُرع خلال السنوات الأخيرة، بعدما كشف التطبيق عن ثغرات أو تعارضات مع تشريعات أخرى أو صعوبات في التنفيذ، فيما ترتبط تعديلات أخرى بتغيرات مالية وإدارية طرأت بعد تشريع القوانين الأصلية”.

ويلفت المصدر ذاته إلى أن “جزءاً مهماً من التراكم التشريعي لا يرتبط بعمل البرلمان الحالي وحده، وإنما انتقل إليه من دورات سابقة، وبين هذه المشاريع قوانين سيادية ودستورية واقتصادية ظلت معلقة بسبب الخلاف السياسي، مقابل مشاريع أخرى تأخرت لأسباب فنية أو بسبب وجود كلفة مالية تستوجب موقفاً من الحكومة، ولذلك فإن عدد القوانين الموجودة في المسار التشريعي أكبر بكثير من عدد القوانين القابلة فعلياً للحسم خلال الدورة الحالية”.

معضلة التوافقات

من جهته، يقول عضو اللجنة القانونية في مجلس النواب ضياء شغاتي، إن “هناك عشرات القوانين المطروحة حالياً للنقاش داخل مجلس النواب، سواءً على مستوى التشريع أو التعديل، وهي لا تعود إلى جهة واحدة، فبعض مشاريع القوانين جاءت من مجلس الوزراء، وأخرى من رئاسة الجمهورية، إلى جانب مقترحات قوانين انطلقت من مجلس النواب ولجانه المختصة، وتتوزع موضوعاتها بين مكافحة الفساد وتنظيم عمل مؤسسات الدولة والملفات الاقتصادية، فضلاً عن تشريعات ترتبط بحقوق شرائح مختلفة من المجتمع”

ويضيف، أن “أبرز التشريعات التي يجري العمل عليها في الوقت الراهن مشروع قانون استرداد عائدات الفساد، الذي يستهدف وضع إطار قانوني أكثر وضوحاً لاستعادة الأموال المتحصلة من جرائم الفساد داخل العراق وخارجه، ومعالجة بعض الثغرات التي تواجه الجهات المختصة في ملاحقة الأموال والأصول، إلى جانب وجود مجموعة أخرى من القوانين والتعديلات التي تعمل اللجان النيابية على إنضاجها تمهيداً لاستكمال مراحلها التشريعية”.

ويبين شغاتي، أن “وصول مشروع أو مقترح القانون إلى مجلس النواب لا يعني بالضرورة إمكانية تمريره سريعاً، فهناك قوانين تحتاج إلى توافقات سياسية، وأخرى ترتبط بجوانب مالية تتطلب التنسيق مع الحكومة، فضلاً عن مشروعات تثير خلافات بشأن الصلاحيات أو آليات التنفيذ، ولذلك تختلف المدة التي يستغرقها كل تشريع بحسب طبيعته وحجم التقاطعات الموجودة بشأنه”.

تعديلات سريعة

وتُثار في المقابل تساؤلات بشأن عودة مجلس النواب إلى تعديل قوانين لم يمض على تشريعها وقت طويل قياساً بعمر التشريعات العراقية، ومن بينها قانون المرور رقم 8 لسنة 2019، الذي أُقر قبل نحو سبع سنوات، قبل أن يبدأ البرلمان الحالي إجراءات تعديله للمرة الأولى، وسط مطالب بإعادة النظر في مبالغ الغرامات وآليات إشعار المخالفين ومدد الاعتراض وتنظيم عمل بعض المركبات ومعالجة مشكلات ظهرت مع تطبيق أنظمة الرصد الحديثة.

ولا يقتصر مسار المراجعة على قانون المرور، إذ عاد قانون التقاعد الموحد رقم 9 لسنة 2014 إلى واجهة النقاش التشريعي أيضاً، رغم خضوعه لتعديل واسع أواخر عام 2019 شمل سن الإحالة إلى التقاعد والاستحقاقات التقاعدية وعدداً من الفئات المشمولة والاستثناءات، فيما يتحرك البرلمان حالياً باتجاه تعديلات جديدة استجابةً لمطالب ومشكلات تتعلق بشريحة المتقاعدين، وهو ما يفتح باب النقاش بشأن ما إذا كانت المراجعات المتكررة تمثل استجابة طبيعية للمتغيرات التي يكشفها التطبيق، أم مؤشراً على حاجة التشريعات إلى دراسة أعمق لآثارها قبل إقرارها.

مشاريع مستعجلة

من طرفه، يقول عضو مجلس النواب السابق جواد اليساري، إن “إحدى المشكلات التي تعاني منها العملية التشريعية في العراق تتمثل بقصر عمر بعض القوانين وعدم رصانتها بالشكل الكافي، إذ لا تمضي فترة طويلة على تشريع القانون حتى تكتشف الجهة التي شُرع من أجلها أو المؤسسات المعنية بتطبيقه أنها بحاجة إلى إضافة مادة أو تعديل أخرى، بسبب عدم قدرة النص الأصلي على تلبية الاحتياجات التي تظهر عند التطبيق”.

ويضيف، أن “الحكومة مطالبة عندما ترسل مشاريع القوانين إلى مجلس النواب بأن تكون هذه المشاريع مدروسة ورصينة وذات عمر تشريعي طويل، وقادرة على الاستجابة لاحتياجات المجتمع والمؤسسات لسنوات، فهناك قوانين عراقية يعود بعضها إلى عقود طويلة، بل إن بعضها صدر منذ عام 1959 وظل قادراً على تنظيم المجال الذي شُرع من أجله من دون الحاجة إلى تعديلات متكررة”.

خبرات محدودة

ويشير اليساري إلى أن “هناك عدداً كبيراً من القوانين التي تتراكم داخل مجلس النواب من دورة إلى أخرى، لكن الخلافات السياسية وغياب التوافق بشأن بعضها يؤديان إلى تأخيرها، ولا سيما القوانين التي تتقاطع فيها مصالح القوى السياسية أو تتطلب اتفاقاً مسبقاً قبل الوصول بها إلى مرحلة التصويت”.

ويلفت إلى أن “أعضاء مجلس النواب ليسوا جميعاً متخصصين في صياغة القوانين، ولذلك ينبغي أن تكون هناك عملية متكاملة أو ما يمكن وصفه بمطبخ تشريعي حقيقي لإنضاج القانون قبل التصويت عليه، يشارك فيه متخصصون وخبراء قانونيون إلى جانب اللجان النيابية والجهات المعنية بتنفيذ القانون، لأن بعض أعضاء اللجان قد تكون خبرتهم محدودة أو لم يكتسبوا بعد الممارسة الكافية في العمل التشريعي”.

استحقاقات دستورية

إلى ذلك، يقول السياسي المستقل هاني عاشور، إن “واحدة من الإشكالات الأساسية التي واجهت العملية التشريعية منذ عام 2005 تتمثل في بقاء استحقاقات دستورية وتشريعية من دون حسم رغم مرور أكثر من عشرين عاماً، بدءاً من ملف تعديل الدستور، وصولاً إلى تشريعات نص عليها الدستور بصورة مباشرة أو غير مباشرة، وفي مقدمتها قانون النفط والغاز، إلى جانب عدد كبير من القوانين التي نوقشت في دورات برلمانية مختلفة لكنها لم تصل حتى الآن إلى مرحلة الإقرار”.

ويرى، أن “المشكلة لا تتعلق بالخلاف السياسي وحده، وإنما بوجود نقص في الخبرات والكفاءات المتخصصة داخل بعض اللجان التي تتولى دراسة مشاريع القوانين، فضلاً عن الانقطاعات التي تفرضها العطل التشريعية وانشغال المجلس بملفات سياسية أخرى، وهو ما يؤدي إلى ترحيل مشاريع من دورة إلى أخرى، وفي المقابل هناك قوانين يقرها البرلمان ثم يعود إلى تعديلها بين فترة وأخرى، كما حصل مع قانون العفو العام، الأمر الذي يعكس مشكلة أوسع في إنضاج بعض التشريعات قبل التصويت عليها”.

ويلفت عاشور إلى أن “قانون تنظيم المعلوماتية يمثل إنموذجاً آخر على بطء الاستجابة التشريعية، إذ بدأ النقاش بشأنه منذ نحو عام 2010 تحت مسميات وصيغ مختلفة، من بينها جرائم المعلوماتية، لكن البرلمان لم يتمكن حتى الآن من إنجاز إطار تشريعي متكامل يواكب التطور الهائل الذي شهده قطاع الاتصالات والتكنولوجيا والمعلومات خلال السنوات الماضية”.

ويتقاطع هذا الزخم التشريعي مع بداية عمل حكومة علي الزيدي، التي وضعت الإصلاح الإداري والمالي وإعادة تنظيم عدد من مؤسسات الدولة ضمن أولويات برنامجها، ما يجعل الحكومة طرفاً أساسياً في جانب من الورشة التشريعية المقبلة، سواء عبر مشاريع القوانين التي تحتاجها لتنفيذ برنامجها، أو من خلال التعديلات التي تطلبها الوزارات على تشريعات قائمة ترى أنها لم تعد تستجيب للتحولات الإدارية والاقتصادية، فيما يبقى تمرير هذه المشاريع مرتبطاً بالتوافق داخل البرلمان وقدرة الحكومة على تأمين الغطاء المالي لتنفيذ القوانين ذات الكلفة.


المصدر: العالم الجديد
كلمات مفتاحية
كرار الاسدي

كرار الاسدي

كاتب في وكالة نون الخبرية

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!