ورغم تأكيد البنك المركزي قوة احتياطياته ورؤية بعض الخبراء أن القرار قد يقلص الفجوة الفعلية ويشجع المنتج المحلي، إلا أنهم يحذرون بقوة من “تسعير الخوف” والتضخم الوقائي الذي قد يرهق المواطن. وفي المقابل، هاجم برلمانيون القرار واعتبروه تخبطاً مالياً مطالبين بإلغائه، ليبقى نجاح هذه الخطوة مرهوناً بقدرة الحكومة على تسهيل التحويلات الرسمية ولجم المضاربات.
إعادة تسعير
ويقول الخبير الاقتصادي منار العبيدي، إن ”الارتفاع السريع للدولار في السوق الموازي يرتبط، في جزء كبير منه، بإعادة تسعير السوق بعد القرار المفاجئ، إلى جانب حالة الترقب والمضاربة ومحاولة حائزي الدولار تحديد السعر التوازني الجديد”، موضحاً أن ”تغير السعر الرسمي بهذه النسبة وفي يوم واحد يؤدي بطبيعته إلى مرحلة اكتشاف السعر Price Discovery، وقد يرافقها تضخم في حركة الأسعار خلال الساعات الأولى”.
ويضيف، أن ”ارتفاع السعر الموازي لا يعني بالضرورة اتساع الفجوة بينه وبين السعر الرسمي، إذ كان السعر الرسمي للمواطن قبل القرار 1320 ديناراً للدولار، مقابل نحو 1600 دينار، بفجوة تتجاوز 20 بالمئة، بينما بلغ السعر الرسمي بعد القرار 1520 ديناراً، مقابل نحو 1680 إلى 1700 دينار في السوق الموازي، لتنخفض الفجوة فعلياً إلى نحو 10–12 بالمئة رغم ارتفاع السعر الموازي”.
وينبه العبيدي إلى أنه “من المبكر التعامل مع حركة أسعار الدولار عقب القرار على أنها اتجاه دائم، إذ يتوقف المسار الحقيقي خلال الأيام والأسابيع المقبلة على قدرة التجار والمستوردين على الحصول بسهولة على الدولار الرسمي بسعر 1520 ديناراً لتغطية معاملاتهم التجارية المشروعة”.
ويردف، أن ”سهولة الوصول إلى الدولار الرسمي من شأنها أن تضيق الفجوة تدريجياً، بينما سيؤدي بقاء جزء مهم من الطلب خارج القنوات الرسمية إلى توجهه نحو السوق الموازي واستمرار الفجوة”.
وفي صباح أمس الأربعاء (7 تشرين الأول 2026) سجلت أسعار صرف الدولار ارتفاعاً ملحوظاً في أسواق بغداد والمحافظات، بالتزامن مع بدء تطبيق قرار تعديل سعر الصرف الرسمي، ليدخل السوق الموازي حالة من التذبذب وعدم الاستقرار مع إعادة تسعير العملة.
وارتفع سعر الدولار في بورصتي الكفاح والحارثية إلى 168 ألفاً و500 دينار لكل 100 دولار، مقارنة بـ159 ألفاً و800 دينار، فيما بلغ سعر البيع في محال الصيرفة 169 ألف دينار والشراء 168 ألف دينار لكل 100 دولار. وأدى تسارع التغيرات إلى توقف عدد من محال الصيرفة في العاصمة عن بيع الدولار مؤقتاً.
وعن توقف بعض مكاتب الصيرفة عن البيع والشراء، يبين العبيدي أن ”ذلك لا يعني بالضرورة عدم توفر الدولار، وإنما يعكس فقدان السوق، في لحظات التذبذب السريع، القدرة على تحديد سعر واضح، إذ قد يشتري الصراف الدولار بسعر معين قبل أن يتغير خلال دقائق، ما يدفعه إلى إيقاف التعامل أو توسيع الفارق بين سعري الشراء والبيع لحماية نفسه من المخاطر”.
ويحذر من انتقال هذا الارتباك سريعاً إلى الأسواق التجارية، لافتاً إلى أن “التاجر لا يسعر بضاعته اعتماداً على كلفتها التاريخية فقط، وإنما ينظر أيضاً إلى كلفة استبدالها، ولذلك فإن عدم معرفته ما إذا كان سيشتري الدولار في اليوم التالي بسعر 1650 أو 1750 ديناراً قد يدفعه إلى رفع الأسعار احترازياً أو التوقف مؤقتاً عن البيع، وهو ما قد ينتج ارتفاعات تتجاوز الزيادة الحقيقية في كلفة الاستيراد”.
الخطر الأكبر
ويشدد على العبيدي على أنه لا ينبغي افتراض ارتفاع أسعار جميع السلع المستوردة وفقاً للسعر الموازي، إذ يؤكد البنك المركزي قدرته على تمويل التجارة الخارجية والتحويلات الرسمية بالسعر الجديد، وبالتالي فإن السلع التي يمول استيرادها عبر النظام المصرفي يفترض أن ترتبط كلفة الدولار فيها بالسعر الرسمي وليس بسعر السوق الموازي، معتبراً أن الخطر الأكبر خلال الأيام الأولى يتمثل في التسعير على أساس الخوف والتوقعات بدلا من الكلفة الفعلية.
وبشأن قدرة البنك المركزي على احتواء التقلبات، يرى العبيدي أن ”البنك يمتلك احتياطيات وأدوات تمكنه من تلبية الطلب المشروع على الدولار، وقد أعلن قدرته على تلبية طلبات تمويل التجارة والتحويلات والبطاقات والمسافرين، إلا أن القضية لا تتعلق بحجم الدولار المتوفر لدى البنك المركزي وحده”.
ويردف، أن ”ضخ الدولار يمكن أن يسهم في تهدئة السوق بشرط وصوله إلى مصدر الطلب المتجه حالياً نحو السوق الموازي”، محذراً من أن ”ضخ مليارات الدولارات للمصارف لن يغلق الفجوة بالكامل إذا بقيت شرائح من التجار غير قادرة أو غير راغبة في استخدام القنوات الرسمية”.
وامتد الارتفاع إلى أربيل، حيث سجل سعر البيع 168 ألفاً و200 دينار لكل 100 دولار، مقابل 168 ألفا و100 دينار للشراء. وفي كركوك، علق عدد من أصحاب شركات ومكاتب الصيرفة عمليات بيع وشراء العملات الأجنبية مؤقتاً، بانتظار اتضاح اتجاه السوق خلال الساعات التالية.
وبالتوازي مع ذلك، دخل التجار وأصحاب مكاتب الصيرفة مرحلة ترقب، إذ دفعت سرعة تغير الأسعار بعضهم إلى تجنب تحديد سعر ثابت للبيع أو الشراء خشية تكبد خسائر، فيما أصبحت حركة التعامل محدودة بانتظار استقرار السعر واتضاح المسار الجديد للسوق.
ثلاث معالجات
ويعتقد الخبير العبيدي أن ”المشكلة الأساسية تتمثل في تجزؤ سوق الصرف، ومعالجة السوق تتطلب العمل في ثلاثة اتجاهات متزامنة، تتمثل في ضمان توفر الدولار الرسمي وانسيابية التحويلات من دون اختناقات، وتوسيع قدرة التجار الحقيقيين على الوصول إلى القنوات المصرفية الرسمية، ومعالجة الطلب على الدولار الناتج عن التجارة غير الرسمية أو التي لا تمر عبر المنظومتين المصرفية والجمركية”.
ويؤكد، أن “البنك المركزي يستطيع السيطرة بدرجة كبيرة على عرض الدولار، لكنه لا يستطيع بمفرده معالجة أسباب الطلب الموازي، إذ يتطلب ذلك تعاوناً بين البنك المركزي والكمارك والمنافذ الحدودية والضرائب والمؤسسات الحكومية الأخرى”.
ويخلص العبيدي إلى أن ”اختبار نجاح القرار لا يكمن في سعر الدولار خلال أول 24 أو 48 ساعة، وإنما في مدى انخفاض الفجوة بين السعرين الرسمي والموازي خلال الأسابيع المقبلة، وقدرة المستورد الحقيقي على الحصول بسهولة على الدولار بالسعر الرسمي، وتحقق هذين الشرطين يرجح أن تكون القفزة الحالية، في جزء كبير منها، حركة انتقالية، بينما يشير استمرار الفجوة أو اتساعها إلى أن المشكلة تكمن في بنية سوق الصرف وآليات الوصول إلى الدولار، وليس في السعر الرسمي وحده”.
ودخل قرار رفع سعر صرف الدولار أمام الدينار العراقي حيز التنفيذ، أمس الأربعاء، بعد اعتماد أسعار جديدة حددت شراء الدولار من وزارة المالية بـ1500 دينار، وبيعه إلى المصارف بـ1510 دنانير، فيما حدد سعر بيعه للجمهور بـ1520 دينارا، مع إيقاف العمل بالسعر السابق اعتباراً من بداية يوم الأربعاء.
ومع الساعات الأولى لتطبيق السعر الجديد، انتقل الملف من سوق الصرف إلى قبة البرلمان، إذ صوت مجلس النواب، على تأجيل جدول أعمال جلسته وتحويلها إلى جلسة مناقشة عامة بشأن قرار رفع سعر صرف الدولار وتداعياته، قبل أن يرفع جلسته إلى اليوم الخميس.
“تداعيات تستوجب المراقبة”
بدوره، يقول الخبير الاقتصادي أحمد عبد ربه، إن ”حركة سعر الصرف لا ترتبط بعامل واحد، وإنما تتأثر بحجم الطلب على الدولار ومستوى المعروض وتوقعات المتعاملين والمضاربة، فضلاً عن مدى سهولة الحصول على العملة الأجنبية عبر القنوات الرسمية”.
ويوضح عبد ربه، أن ”ارتفاع سعر الدولار في السوق الموازي لا يمكن اعتباره دليلاً منفرداً على وجود نقص مطلق في العملة الأجنبية، خصوصاً مع تأكيد البنك المركزي امتلاكه احتياطيات وقدرته على تلبية الطلبات المتعلقة بالتجارة والتحويلات والاحتياجات النقدية، إلا أن ارتفاع السعر الموازي يعكس ضغوطاً في جانب الطلب وحالة من عدم اليقين بشأن اتجاه سعر الصرف خلال المرحلة المقبلة”.
ويشير إلى أن “توقعات المتعاملين تؤثر في حركة السوق، إذ إن الاعتقاد بإمكانية ارتفاع الدولار مستقبلاً قد يزيد الطلب الاحترازي والمضاربي، ويدفع السعر إلى مستويات أعلى مؤقتاً، حتى من دون حدوث انخفاض مماثل في المعروض الحقيقي”.
وعن استمرار الفجوة بين السعرين الرسمي والموازي، يحذر عبد ربه من ”تداعيات اقتصادية تستوجب المراقبة، ولا سيما على كلفة الاستيراد والأسعار المحلية”، موضحاً أن ”اضطرار المستورد أو التاجر إلى شراء الدولار من السوق الموازي بسعر أعلى يرفع كلفة السلعة المستوردة، وقد ينقل جزءاً من هذه الزيادة إلى المستهلك”.
إدارة المرحلة الانتقالية
ويرى عبد ربه، أن ”انتقال تغير سعر الصرف إلى التضخم لا يحدث بصورة آلية أو بالنسبة نفسها في جميع السلع، وإنما يتوقف على طبيعة السلعة ونسبة المكونات المستوردة فيها ومستوى المنافسة وهوامش أرباح التجار، فضلاً عن مدى توفر الدولار بالسعر الرسمي للأنشطة التجارية المشروعة”.
ويعتقد، أن ”تعديل سعر الصرف يمكن أن يوفر فرصة لدعم الإنتاج المحلي إذا ترافق مع سياسات اقتصادية متكاملة، إذ قد تمنح زيادة كلفة بعض السلع المستوردة المنتج المحلي مساحة أكبر للمنافسة، شريطة توفير بيئة إنتاج مناسبة وتمويل ميسر وحماية من الإغراق، إلى جانب استقرار الطاقة والضرائب والإجراءات التجارية”.
أما استقرار السوق، فيؤكد عبد ربه أنه ”لن يتحقق بمجرد الإعلان عن السعر الرسمي الجديد، وإنما يرتبط بقدرة البنك المركزي على إدارة المرحلة الانتقالية وتلبية الطلب الحقيقي على الدولار”، لافتاً إلى أن ”تسهيل الحصول على العملة الأجنبية عبر القنوات الرسمية ووضوح إجراءاته يقللان الحاجة إلى السوق الموازي، ومن ثم يمكن أن تتراجع الفجوة تدريجياً”.
وتصاعد التحرك النيابي مع تحديد اليوم الخميس موعداً لجلسة خاصة تستضيف محافظ البنك المركزي ووزير المالية، لبحث أسباب رفع سعر الصرف وتداعيات القرار وسبل معالجتها. وقال النائب عن كتلة بدر جعفر الزاملي إن رئيس مجلس النواب وجه بالاستضافة للاطلاع على أسباب القرار، فيما أشار النائب عزيز ناصر إلى أن النواب يريدون معرفة آلية رفع السعر وتأثيراته الاقتصادية في الأسواق.
تنظيم سوق النقد
ويلفت عبد ربه إلى أنه “في حال استمرار صعوبة الوصول إلى الدولار الرسمي، بالتزامن مع الطلب النقدي والمضاربات وتوقعات ارتفاع السعر، فقد تستمر الفجوة بين السوقين حتى بعد تعديل سعر الصرف الرسمي”.
ويستطرد، أن ”المؤشر الأهم خلال الفترة المقبلة لا يتمثل في سعر الدولار يوم تنفيذ القرار فقط، وإنما في اتجاه الفجوة بين السعرين الرسمي والموازي خلال الأسابيع والأشهر المقبلة، إذ إن تقلصها يعني بدء تكيف السوق مع السعر الجديد، بينما يشير استمرار اتساعها إلى اختلالات تحتاج إلى معالجة في آليات تمويل التجارة وتوفير الدولار وإدارة الطلب”.
ويكمل، أن ”تعديل سعر الصرف يمكن أن يكون جزءاً من إعادة تنظيم سوق النقد، لكنه لا يمثل حلاً منفرداً، إذ يرتبط نجاحه بإجراءات متزامنة تشمل تعزيز قنوات التمويل الرسمي للتجارة، وتحسين قدرة المصارف على تنفيذ التحويلات، ومكافحة المضاربة غير المشروعة، وضمان وصول الدولار إلى الأنشطة الاقتصادية الحقيقية”.
وظهرت دعوات نيابية للتراجع عن القرار، إذ طالب رئيس كتلة النهج الوطني حسن الأسدي الحكومة بإلغائه سريعاً، محذراً من تداعياته على شرائح المجتمع، بينما اعتبرت النائبة عن ائتلاف الإعمار والتنمية صبا السعدي أن ارتفاع الدولار يمثل نتيجة مباشرة لعجز السياستين المالية والنقدية، محملة وزارة المالية والبنك المركزي مسؤولية ما وصفته بـ”التخبط الواضح”.
وكان البنك المركزي العراقي وصف قرار رفع سعر صرف الدينار مقابل الدولار بأنه “خطوة استراتيجية” لتعزيز الاستقرار المالي، مؤكداً كفاية وقوة احتياطياته الأجنبية وطمأنة المواطنين والقطاع الاقتصادي.
وبذلك، لم يبق قرار سعر الصرف محصوراً في أدوات السياسة النقدية، إذ انتقل خلال يومه الأول إلى مواجهة سياسية ورقابية داخل البرلمان، لتصبح جلسة الاستضافة المرتقبة اختباراً لتفسير دوافع القرار وتداعياته، وما إذا كان المسار سيتجه نحو تثبيت السعر الجديد أم فتح الباب أمام مراجعة آلياته؟
أولويات المواطن
ويشدد الخبير عبد ربه على أن ”الأولوية للمواطن تتمثل في الحد من انتقال آثار سعر الصرف إلى أسعار السلع والخدمات والحفاظ على القوة الشرائية”، داعياً إلى”مرافقة السياسة النقدية بإجراءات رقابية وتجارية وإنتاجية تمنع استغلال تغير سعر الصرف لرفع الأسعار بصورة مبالغ فيها”.
ويخلص إلى أن ”ارتفاع السعر الموازي يمثل ضغطاً يستوجب المتابعة، لكنه لا يكفي منفرداً للحكم على نجاح تعديل سعر الصرف أو فشله، حيث إن التقييم الاقتصادي الأدق يعتمد على قدرة السياسة النقدية على تقليص الفجوة واستقرار توقعات السوق واستمرار تمويل التجارة، ثم انعكاس ذلك تدريجياً على الأسعار والقوة الشرائية والنشاط الاقتصادي”.
وبذلك، لم يقتصر أثر بدء تطبيق سعر الصرف الجديد على ارتفاع أرقام الدولار في السوق الموازي، بل امتد إلى حركة التداول نفسها، لتصبح الأيام التالية اختباراً لاتجاه الأسعار وقدرة السوق على الانتقال من صدمة التسعير الأولى إلى مستوى أكثر استقراراً.
التعليقات
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!