RSS
2026-01-09 12:05:17

ابحث في الموقع

زيادة الضرائب في العراق عبء اقتصادي

زيادة الضرائب في العراق  عبء اقتصادي
بقلم: عدنان الدوسري - مستشار اقتصادي

شهد العراق في الآونة الأخيرة قرارات بزيادة الضرائب والرسوم بنسب مرتفعة ومفاجئة، طالت شرائح واسعة من المواطنين والأنشطة الاقتصادية، من دون تمهيد أو نقاش عام، ومن دون اقترانها بتحسين ملموس في مستوى الخدمات. هذه الزيادات لم تأتِ ضمن رؤية إصلاحية شاملة، بل بدت كحلٍّ إسعافي لتغطية عجزٍ ماليٍّ متراكم، كان سببه الأبرز سوء الإدارة المالية والاقتصادية خلال السنوات الماضية. وفيما يلي تحليلٌ لأبعاد هذه الأزمة، مع طرح حلولٍ اقتصادية واقعية لتفادي العجز المالي بصورة مستدامة.

أولاً: الأثر الاقتصادي على المواطن

حين تُفرض الضرائب بشكل مفاجئ في بيئة تعاني أصلًا من ضعف الدخول وارتفاع البطالة وتآكل القدرة الشرائية، فإنها تتحول إلى عبءٍ مباشر على حياة المواطن. فقد انعكست الزيادات سريعًا على أسعار السلع والخدمات، ورفعت كلفة المعيشة، ولا سيما على ذوي الدخل المحدود والطبقة المتوسطة. ومع غياب خدمات مقابلة -كالكهرباء المستقرة، والرعاية الصحية، والتعليم، والبنية التحتية- يفقد المواطن الشعور بعدالة الجباية، وتتحول الضريبة من أداة تنظيمية إلى مصدر ضغط اجتماعي واقتصادي.

ثانياً: الأثر على الاقتصاد والدولة

من منظور مالي بحت، قد تبدو زيادة الضرائب وسيلة سريعة لتعزيز الإيرادات، لكنها على المدى المتوسط والطويل تُضعف النشاط الاقتصادي. فارتفاع التكاليف التشغيلية على الشركات الصغيرة والمتوسطة يقلّص الاستثمار، ويدفع بعض الأنشطة إلى التراجع أو الخروج من السوق، ما يعني انخفاض فرص العمل وتآكل القاعدة الضريبية نفسها. وهكذا تدخل الدولة في حلقة مفرغة: ضرائب أعلى، نشاط أضعف، وإيرادات أقل استدامة.

ثالثاً: الضرائب بلا خدمات… أزمة ثقة

القاعدة الاقتصادية والاجتماعية واضحة: تُقبل الضريبة حين يلمس المواطن أثرها في حياته اليومية. أما فرض ضرائب بلا خدمات، فيؤدي إلى أزمة ثقة بين الدولة والمجتمع، ويغذّي ثقافة التهرّب الضريبي، ويقوّض أي محاولة مستقبلية لإصلاح النظام المالي. الإصلاح الحقيقي لا يبدأ بالجباية، بل بإصلاح الإنفاق، ومكافحة الهدر والفساد، وترتيب الأولويات.

رابعاً: الإطار الدستوري والسياسي للقرار

لا تكمن خطورة هذه الزيادات في أثرها الاقتصادي فقط، بل في سياق اتخاذها. فالقرارات السيادية ذات الأثر الواسع—كالسياسات الضريبية—لا يجوز أن تُتخذ من حكومة تصريف أعمال بحكم محدودية صلاحياتها الدستورية. بل يتعيّن عرضها على مجلس النواب العراقي بوصفه الجهة التشريعية المخولة بمناقشة السياسات الضريبية، ودراسة آثارها، وإقرارها أو تعديلها وفق المصلحة العامة.

الحلول الاقتصادية لتفادي العجز المالي

لمعالجة العجز دون تحميل المواطن كلفة أخطاء الماضي، تبرز حزمة حلول متكاملة، من أبرزها:

1. إصلاح إدارة الإنفاق العام

عبر مراجعة بنود الصرف، وإيقاف الهدر، وربط الموازنات بالأداء والنتائج، لا بالاستهلاك الروتيني.

2. تنويع مصادر الإيرادات

من خلال دعم القطاعات الإنتاجية (الزراعة، الصناعة، الخدمات اللوجستية)، وتوسيع الصادرات غير النفطية، بدل الاعتماد على الضرائب السريعة.

3. بناء نظام ضريبي عادل وتدريجي

يقوم على التدرّج، وتوسيع القاعدة الضريبية، وحماية ذوي الدخل المحدود، وربط أي زيادة بتحسين خدمات ملموسة.

4. تحفيز القطاع الخاص والاستثمار

عبر تخفيض كلف التشغيل، وتسهيل الإجراءات، ومنح حوافز ضريبية مؤقتة للأنشطة المنتِجة التي تخلق فرص عمل.

5. تعزيز الشفافية والمساءلة

بنشر البيانات المالية بوضوح، وتفعيل الرقابة البرلمانية والمجتمعية، ما يعيد الثقة بين الدولة والمواطن

إن معالجة العجز المالي لا تكون بقرارات مفاجئة تفتقر إلى الشرعية السياسية والنقاش البرلماني، ولا بتحميل المواطن كلفة تراكمات سوء الإدارة. الطريق السليم يبدأ بإصلاح الإدارة المالية، وضبط الإنفاق العام، وتحفيز الاقتصاد المنتج، ثم بناء نظام ضريبي عادل، تدريجي، ومرتبط بخدمات حقيقية. من دون ذلك، ستبقى زيادة الضرائب حلًّا مؤقتًا لأزمة عميقة، يدفع ثمنها المواطن أولاً، والاقتصاد الوطني لاحقاً.

المقالات لا تعبر عن وجهة نظر الوكالة، وإنما تعبر عن آراء كتابها
التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!