RSS
2026-01-20 10:19:55

ابحث في الموقع

عدسة الموت.. جريمة الامتناع عن الإغاثة بين هوس "الترند" ونصوص القانون العراقي

عدسة الموت.. جريمة الامتناع عن الإغاثة بين هوس "الترند" ونصوص القانون العراقي
بقلم: القاضي محمد عبد الرضا حطاب

في مشهد مأساوي بات يتكرر بصورة تبعث على الألم في واقعنا اليومي وبينما تتصاعد ألسنة النيران من مبنى يحترق أو يلفظ ضحية حادث سير أنفاسه الأخيرة أو حتى حين تسقط مركبة في النهر نجد أنفسنا أمام ظاهرة دخيلة وغريبة.

بدلاً من أن تهب الأيادي للمساعدة كما اعتدنا في الماضي القريب حيث كانت النخوة والغيرة هي المحرك الأول لانتشال الضحايا نجد اليوم مئات الأيادي ترتفع لا لتمتد بالعون بل لتشهر الهواتف النقالة وتبدأ البث المباشر (Live) لقد استبدلنا بكل أسف خيار مد يد العون بخيار ضغط زر التسجيل في لحظة فاصلة يتحول فيها الإنسان إلى مجرد عدسة باردة لا توثق السقوط الأخلاقي فحسب بل تورط صاحبها في جريمة يعاقب عليها القانون العراقي.

إننا نقف اليوم أمام ظاهرة اجتماعية تتجاوز الخيال حشود بشرية تتجمهر ليس لستر الضحية أو إنقاذها بل لتوجيه آلاف العيون الرقمية نحوها باحثين عن زاوية التصوير المثالية والإضاءة الأنسب متجاهلين تماماً أنين الألم الذي يخرج من بين الحطام. ولا تقف المأساة عند حدود الامتناع عن المساعدة بل تتعداها إلى نشر هذه المقاطع على منصات التواصل الاجتماعي مصورةً أجساد الضحايا في أشد حالات ضعفهم الإنساني (حروق، كسور، نزيف).

إن نشر هذه المشاهد ليس سبقاً صحفياً بل هو انتهاك صارخ لقدسية إنسان عاجز عن الدفاع عن نفسه وطعنة غائرة في قلب عائلته التي تجد نفسها مضطرة لمشاهدة ابنها يموت آلاف المرات على شاشات الهواتف في وقت تعتبر فيه منصات التواصل هذه المآسي مجرد مادة دسمة لزيادة التفاعل والمشاهدات.

في معادلة الجريمة الحديثة لم يعد المشهد يقتصر على الجاني والضحية فقط. لقد دخل طرف ثالث وهو المتفرج الرقمي ذلك الشخص الذي يقف على حافة الموت ليوثق اللحظات الأخيرة بعدسة هاتفه باحثاً عن الشهرة في عالم افتراضي بينما تُفقد في الواقع أرواح كان بالإمكان إنقاذها هذا السلوك الذي وصفته الصحافة العالمية بـ البرود الحسي يمثل في نظر المشرع العراقي جريمة مكتملة الأركان تحول الشاهد إلى متهم، وتجعل الكاميرا أداة لتوثيق قسوة حاملها لا مأساة ضحيته.

لفهم هذه الظاهرة لا بد من الاستعانة بعلم النفس الجنائي وتحديداً ما يُعرف بتأثير المتفرج أو متلازمة كيتي جينوفيز وهي نظرية تشرح كيف يقل احتمال تقديم المساعدة كلما زاد عدد الحاضرين بسبب ما يسمى بـتوزع المسؤولية. وقد أضافت التكنولوجيا بعداً جديداً وخطيراً لهذه المتلازمة وهو الانفصال عن الواقع فشاشة الهاتف تعمل كجدار عازل يجعل المصور يشعر وكأنه يشاهد فيلماً سينمائياً مما يُحدث حالة من التخدير العقلي ويعطل الرادع الأخلاقي لديه.

عندما ينظر الشخص للحادث عبر الشاشة يقوم عقله لا شعورياً بفصل نفسه عن الواقع فتتحول الدماء والصرخات من حقيقة تستوجب التدخل إلى مشهد درامي يتابعه من خلف زجاج آمن. هذا الانفصال يعطل مراكز التعاطف في الدماغ وبدلاً من ضخ الأدرينالين اللازم للركض والمساعدة يغرق الدماغ في هوس التوثيق بحثاً عن مكافأة اجتماعية وهمية (اللايكات) متوهماً أن الآخرين سيتدخلون للإنقاذ مما يمنحه مبرراً أخلاقياً واهياً للاستمرار في التصوير.

وإذا كان علم النفس يقدم تفسيراً لحالة الجمود هذه فإن القانون العراقي لا يقبلها عذراً فالحفاظ على الأرواح واجب مقدس وليس خياراً خاضعاً للمزاج أو الهوس التقني هنا ننتقل من التشخيص النفسي إلى النص العقابي حيث يصنف المشرع العراقي هذا الفعل تحت بند جريمة الامتناع عن الإغاثة وهي من الجرائم السلبية التي تقوم على الامتناع عن فعل كان واجباً. واستناداً للمادة 370 من قانون العقوبات رقم 111 لسنة 1969، يشترط القانون توفر ثلاثة شروط مجتمعة لقيام الجريمة:

1-وجود خطر جسيم: أن يكون الضحية يواجه خطراً حقيقياً (كالحريق أو الغرق).

2-القدرة على المساعدة: أن يكون بمقدور الشخص تقديم العون دون أن يعرض نفسه للخطر.

3-الامتناع العمدي: أن يختار الشخص بوعيه الكامل عدم المساعدة .

تكمن المفارقة القانونية التي يغفل عنها الكثيرون في أن تصوير الحادث يعد بحد ذاته دليلاً قضائياً يثبت تحقق الشرط الثاني (القدرة على المساعدة). فمن وجهة نظر التحقيق الجنائي إذا كنت تملك ثبات اليد لضبط التصوير والتركيز على الضحية فأنت حكماً تملك القدرة العقلية والجسدية للاتصال بالنجدة أو الصراخ لطلب العون. هنا ينقلب السحر على الساحر، ويتحول الهاتف من أداة توثيق إلى دليل إثبات ينفي عن المتهم عذر العجز أو الخوف.

الأمر لا يتوقف عند هذا الحد، فقد يجد مصور الحوادث نفسه في مواجهة ما يُعرف قانونياً بـ "التعدد الصوري" للجرائم، حيث يُلاحق بتهمتين في وقت واحد:

1-الجريمة الأولى: الامتناع عن الإغاثة وفق المادة 370، التي تعاقب بالحبس والغرامة كل من امتنع أو توانى بلا عذر عن إغاثة ملهوف في كارثة.

2-الجريمة الثانية: الاعتداء على حرمة الحياة الخاصة وفق المادة 438 من قانون العقوبات، التي تعاقب بالحبس والغرامة من نشر صوراً تتصل بأسرار الحياة الخاصة (كالحالة الجسدية للضحايا) وكان من شأن نشرها الإساءة إليهم.

ختاماً، قد تكون التكنولوجيا قد خلقت جداراً زجاجياً بيننا وبين الواقع، جاعلةً منا نرى الضحايا كمحتوى رقمي، لكن القانون العراقي لا يعترف بهذا الجدار، وتذكرنا المادة 370 بأننا مواطنون مسؤولون قبل أن نكون صناع محتوى. لذا قبل أن تضغط زر التسجيل في المرة القادمة تذكر أن يدك التي تحمل الهاتف قد توثق دليل إدانتك وأن اليد التي تمتد للمساعدة هي وحدها التي يبرؤها القانون ويخلدها الضمير لا تكن الشخص الذي يسرق اللقطة ويسلب الحياة بل كن البطل الحقيقي الذي ينقذ روحاً في الظل فذلك خير ألف مرة من شهرة زائفة في عالم وهمي.

المقالات لا تعبر عن وجهة نظر الوكالة، وإنما تعبر عن آراء كتابها
كلمات مفتاحية
التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!