RSS
2026-03-02 10:00:32

ابحث في الموقع

من الانهيار العربي 1967 إلى صمود إيران.. درس في إدارة القرار الوطني

من الانهيار العربي 1967 إلى صمود إيران.. درس في إدارة القرار الوطني
بقلم:محمد علي الحيدري

شتّان ما بين حرب العرب وإسرائيل عام (1967)، وحرب إيران في مواجهة إسرائيل والولايات المتحدة معًا.

ليس الفارق هنا في موازين السلاح وحدها، ولا في اختلاف الأزمنة والتقنيات، بل في ما هو أعمق وأخطر: في الإرادة السياسية، وفي معنى الدولة، وفي قابلية القرار على الصمود أو الانكسار.

في (1967)، كانت الجبهة العربية تضم دولًا عدة، وجيوشًا جرّارة، وخطابًا صاخبًا ملأ الإذاعات بالوعيد. ومع ذلك، انهار كل شيء خلال أيام. لم تكن الهزيمة عسكرية فحسب، بل كانت هزيمة عقل سياسي مأزوم، وإدارة مرتجلة، وأنظمة تخوض الحرب بالشعارات لا بالاستعداد، وبالاستعراض لا بالتخطيط. سقطت الأرض بسرعة، وسقط معها وهم القوة العربية المشتركة، وتحوّل "التضامن" إلى مادة للاستهلاك الإعلامي لا أكثر.

الأخطر من الهزيمة نفسها كان ما تلاها: قبول الأمر الواقع، ثم التعايش معه، ثم تبريره. تحوّل الانكسار إلى مسار، والتراجع إلى سياسة، والارتهان إلى خيار شبه دائم. ومع مرور العقود، لم تُستخلص العِبر، بل جرى تعميم الفشل، حتى باتت الهزيمة جزءًا من بنية النظام العربي، لا حادثة عابرة في تاريخه.

في المقابل، تقف تجربة إيران- من دون تهليل ولا تزيين- بوصفها نموذجًا مختلفًا في مقاربة الصراع. دولة واحدة، محاصَرة اقتصاديًا منذ عشرات السنين، تواجه ضغوطًا سياسية وأمنية وعسكرية مستمرة، ومع ذلك لم تُسلّم قرارها، ولم تُنزِل رايتها عند أول اختبار. لم تحقق إيران معجزات، ولم تنتصر في كل مواجهة، لكنها حافظت على ما هو أخطر من النصر الآني: على تماسك القرار، وعلى قناعة أن التراجع خيار سياسي لا قدر محتوم.

الفارق الجوهري ليس في "من هو أشجع"، بل في "من يملك قراره". العرب في (1967) كانوا كُثرًا، لكنهم بلا مركز قرار فعلي، وبلا رؤية مشتركة، وبلا استعداد لدفع كلفة المواجهة. أما إيران، فهي وحدها، لكنها تعرف ماذا تريد، ومتى تتقدم، ومتى تمتص الضربة، ومتى ترفع سقف الاشتباك. هذه ليست بطولة أسطورية، بل أبجديات الدولة التي تحترم 

نفسها.

المفارقة القاسية أن النظام العربي، بعد هزيمة (1967)، لم يحاول أن ينهض، بل تعلّم كيف ينحني بأناقة. انتقل من الهزيمة العسكرية إلى الركوع السياسي، ومن فقدان الأرض إلى التفريط بالقرار، ومن العجز عن المواجهة إلى شيطنة فكرة المواجهة ذاتها. صار الخوف عقيدة، والحياد فضيلة، والتطبيع "واقعية"، وكل من يرفض هذا المسار يُتّهم بالتهور أو بالمغامرة.

النص هنا ليس مديحًا لإيران، ولا دعوة لاستنساخ تجربتها، بل مرآة توضع أمام الواقع العربي. فالمسألة ليست في أن إيران "أقوى"، بل في أن العرب- وهم أكثر عددًا وموارد- اختاروا الضعف، ثم اعتادوه، ثم دافعوا عنه. بين (1967) واليوم، لم تتغير إسرائيل كثيرًا، لكن الذي تغيّر فعلًا هو أن الانهيار العربي لم يعد هزيمة تُناقَش، بل وضع يُدار، ويُبرَّر، ويُطالَب الناس بالتكيّف معه.

وهنا بيت القصيد: الهزيمة قد تُفرض مرة، لكن الركوع حين يصبح سياسة، فهو اختيار.

المقالات لا تعبر عن وجهة نظر الوكالة، وإنما تعبر عن آراء كتابها
التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!