ويقول المستشار الاقتصادي لرئيس الوزراء مظهر محمد صالح، إن “الاحتياطيات الأجنبية لدى البنك المركزي تمثل خط الأمان الأول للاقتصاد العراقي في مواجهة الصدمات الخارجية، لأنها تمنح الدولة قدرة على حماية الاستقرار النقدي والمالي عند تعرض الإيرادات النفطية لأي اضطراب”.
ويضيف صالح، أن “دور الاحتياطيات لا يقتصر على دعم سعر صرف العملة، بل يمتد إلى توفير غطاء مالي يسمح بإدارة الأزمات الاقتصادية في المدى القصير” موضحاً أن “الاقتصاد العراقي يمتلك أدوات متعددة لإدارة الصدمات إذا ما جرى التنسيق بين السياسات المالية والنقدية والنفطية”.
وتشير التقديرات الاقتصادية إلى أن احتياطيات البنك المركزي العراقي تتجاوز 100 مليار دولار، وهو مستوى مرتفع نسبياً مقارنة بحجم الاقتصاد المحلي، ويستخدم هذا الاحتياطي أساساً لدعم استقرار سعر الصرف وتمويل التجارة الخارجية، إذ يؤكد البنك المركزي أن هذه الأموال تكفي لتغطية واردات العراق لمدة تصل إلى 12 شهراً وفق المعايير الدولية.
لكن استخدام الاحتياطي النقدي يبقى -وفق مختصين- قضية حساسة، باعتبار أن قانون البنك المركزي يمنع الحكومة من الاقتراض المباشر من البنك أو استخدام أمواله لتمويل الموازنة، ولذا فإن أي لجوء إلى الاحتياطيات يتم عادة عبر أدوات مالية غير مباشرة، مثل إصدار سندات داخلية، أو دعم السيولة في الجهاز المصرفي، وهو ما يجعل هذه الأموال أقرب إلى شبكة أمان نقدية منها إلى مصدر دائم للإنفاق الحكومي.
ويعود الجدل حول استخدام الاحتياطيات الأجنبية في العراق إلى عام 2012، عندما تفجرت أزمة بين الحكومة ومحافظ البنك المركزي آنذاك سنان الشبيبي، إثر خلافات بشأن السياسة النقدية وإدارة احتياطيات العملة، انتهت بإقالته وفتح تحقيق قضائي بحقه.
من جهته، يحذر الصحفي الاقتصادي حسين ثغب، من أن “اللجوء المفرط إلى الاحتياطيات النقدية قد يضع ضغوطاً على سعر صرف الدينار، ويحد من قدرة البنك المركزي على إدارة السياسة النقدية إذا ما طال أمد الأزمة”.
ويشير ثغب، إلى أن “الاعتماد على هذه الاحتياطيات يجب أن يبقى مؤقتاً ومحدوداً، لأنها تمثل في الأساس شبكة أمان نقدية وليست بديلاً دائماً للإيرادات النفطية”، مضيفاً أن “الأزمة الحالية تكشف مجدداً هشاشة الاقتصاد العراقي القائم على مورد واحد، لكنها في الوقت نفسه قد تفتح المجال أمام إعادة التفكير في إدارة الموارد المالية وتنويع طرق تصدير النفط”.
ويوضح أن “امتلاك العراق احتياطيات نقدية كبيرة يمنح الدولة مساحة زمنية للتحرك وتنظيم أولويات الإنفاق خلال المرحلة الأولى من الأزمة”.
كما تعرض الاقتصاد العراقي لصدمة جديدة في عام 2020 مع تفشي جائحة كورونا وانهيار أسعار النفط إلى مستويات متدنية، ما تسبب بتراجع كبير في الإيرادات الحكومية، ونتيجة لذلك اضطرت الحكومة إلى الاعتماد على أدوات مالية متعددة لتغطية النفقات الأساسية، بما في ذلك استخدام جزء من الاحتياطيات النقدية إلى جانب الاقتراض الداخلي.
وفي ظل هذه الضغوط اتخذ البنك المركزي قراراً بتخفيض قيمة الدينار العراقي في كانون الأول 2020 بهدف تقليل الضغط على الاحتياطي وزيادة الإيرادات الحكومية المقومة بالعملة المحلية.
وفي تقييمه الأخير للأوضاع الاقتصادية، لم يُبد البنك المركزي العراقي اعتراضاً على النقاشات الدائرة بشأن استخدام الأدوات المالية المتاحة لمواجهة الأزمة، بل بدا منفتحاً على إدارة المرحلة، وأكد البنك أن الجهاز المصرفي ما يزال يتمتع بمستويات سيولة مستقرة، مشيراً إلى استمراره في دعم المصارف لضمان انسيابية العمليات المالية اليومية.
بدوره، يؤكد الخبير الاقتصادي والمصرفي مصطفى حنتوش، إن “طبيعة العقود النفطية تمنح الحكومة العراقية هامشاً زمنياً لإدارة الأزمة في المدى القصير، لأن الدولة تستلم عادة إيرادات النفط بعد فترة من تصدير الشحنات، ما يعني أن بعض الإيرادات قد تستمر في الوصول إلى المالية العامة خلال الأسابيع الأولى من الأزمة نتيجة عقود بيع أبرمت قبل اندلاع الحرب”.
ويضيف أن “الاحتياطيات النقدية لدى البنك المركزي يمكن أن تشكل أداة مهمة لتغطية الالتزامات المالية خلال هذه الفترة، لكن استمرار الأزمة لفترة طويلة سيجبر الحكومة على البحث عن حلول أخرى، مثل إعادة تشغيل خطوط الأنابيب النفطية عبر تركيا أو استخدام النقل البري نحو موانئ الدول المجاورة”.
ويؤكد قانون البنك المركزي العراقي الصادر عام 2004 استقلالية المؤسسة النقدية عن الحكومة، إذ يحظر القانون على البنك إقراض الحكومة أو تمويل العجز في الموازنة، وهو ما يجعل استخدام الاحتياطيات في تمويل الإنفاق العام مسألة معقدة قانونياً واقتصادياً.
وشهد العراق أول استنزاف كبير لاحتياطياته الأجنبية بعد عام 2014، عندما تزامن انهيار أسعار النفط العالمية مع الحرب ضد تنظيم داعش، ما أدى إلى تراجع حاد في الإيرادات الحكومية وارتفاع كبير في الإنفاق العسكري.
وفي نهاية عام 2013 بلغ احتياطي البنك المركزي العراقي نحو 81.6 مليار دولار، لكنه بدأ بالانخفاض مع توسع العجز في الموازنة، وبحلول عام 2016 تراجع الاحتياطي إلى ما يقارب 45- 50 مليار دولار بعد استخدام جزء منه لتمويل العجز والنفقات الأساسية للدولة، في واحدة من أكبر عمليات السحب من الاحتياطيات.
التعليقات
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!