في الأحياء السكنية، أصبحت الأزمة واقعاً يومياً يفرض نفسه على تفاصيل الحياة. أم مهند، وهي ربة منزل تعيل عائلة كبيرة، تصف معاناتها مع الحصول على الغاز بوضوح قائلة: إن عائلتها تحتاج إلى ما بين أربع وخمس إسطوانات شهرياً، وهو ما يجعل الحصة المحددة بإسطوانتين غير كافية إطلاقاً. هذا التفاوت بين الحصة المقررة والاحتياج الفعلي يعكس مشكلة أساسية في تصميم النظام، إذ لا يراعي اختلاف أحجام العائلات وأنماط الاستهلاك. ولا تقف التحديات عند حدود الكمية، بل تمتد إلى آلية الحصول على الغاز، حيث يعتمد النظام على وسائل إلكترونية لا يجيدها كثير من المواطنين، خاصة كبار السن، ما يضيف عبئاً جديداً على شريحة واسعة من المجتمع ويثير مخاوف تتعلق بالخصوصية وصعوبة مشاركة الأجهزة الشخصية.
على مستوى الميدان، يرى وكلاء التوزيع أن المشكلة أكثر تعقيداً من مجرد آلية تنظيم. محمد الخفاجي، أحد وكلاء الغاز، يحذر من تطبيق غير متكامل للنظام، مشيراً إلى أن حصره في قنوات معينة دون غيرها قد يؤدي إلى حرمان بعض المواطنين من الوصول إلى حصصهم. ويؤكد أن جوهر الحلّ لا يكمن في فرض قيود على التوزيع، بل في ضمان توفر كميات كافية تُطرح بالسعر الرسمي، بما يقلل الحاجة إلى السوق السوداء. ويضيف أن سلوك المواطنين نفسه يلعب دوراً في تفاقم الأزمة، إذ يدفع الخوف من الانقطاع إلى التوجه المبكر نحو المحطات والتخزين بكميات تفوق الحاجة، وهو ما يخلق ضغطاً إضافياً ويؤدي إلى اختلال التوازن بين العرض والطلب.
من زاوية اقتصادية، يذهب الخبير عبد الرحمن الشيخلي إلى أن اعتماد نظام الكوبون في هذا التوقيت يعكس ارتباكاً في إدارة الأزمة أكثر مما يعكس رؤية إستراتيجية واضحة. وأشار في حديث لـ”الصباح” إلى أن هذا النوع من الإجراءات يمكن أن يكون فعالاً في ظروف مستقرة، إذا ما تم إدخاله ضمن نظام متكامل يعتمد على الأتمتة والبطاقات الذكية ويُمهَّد له بشكل تدريجي. أما تطبيقه في ظل توترات إقليمية وأزمة ثقة بين المواطن والمؤسسات، فقد يؤدي إلى نتائج عكسية، أبرزها انتشار الشائعات وتعزيز سلوك التخزين، ما يزيد من حدَّة الأزمة بدلاً من احتوائها.
في المقابل، تؤكد الجهات الرسمية أن الوضع تحت السيطرة، وتنفي وجود أزمة حقيقية في إمدادات الغاز، مشيرة إلى أن الإنتاج اليومي يغطي الاستهلاك المحلي.
أوضحت وزارة النفط، اليوم السبت، أسباب اللجوء للكوبون الغازي بواقع قنينتين في الشهر، وفيما أكدت أن الحكومة سوف تستورد 200 ألف طن من الغاز لتغطية الإنتاج.
وفي تصريح لوكالة الأنباء العراقية (واع)، قال المتحدث باسم وزارة النفط صاحب بزون: إنه “لا توجد أزمة في الغاز، والإنتاج اليومي البالغ بحدود 5 آلاف طن موازٍ للاستهلاك”، مشيراً إلى أن “الإعلام في بعض الأحيان يكون سبباً رئيسياً في حدوث أزمة، في ظل وجود أزمة عالمية وحرب في المنطقة تؤثر في جميع مفاصل الحياة».
وأوضح بزون أن “العراق كان يستثمر بحدود 4.5 ملايين برميل يومياً يستخرج معها الغاز المصاحب الذي كان يكفي ويصدر منه، ولكن الآن وصل الإنتاج إلى مليون و400 ألف أو مليون و300 ألف، أي ثلث الذي كان يستخرج قبل الأزمة، ما أثر في هذه المادة المهمة (غاز المطابخ)”.
وأضاف أن “وزارة النفط عملت بنظام (كوبون غازي) مشابه للكوبون النفطي، حيث يذهب المواطن إلى محطة الغاز ويحصل على حصته بموجب البطاقة التموينية بواقع قنينتين في الشهر، وهي كمية كافية لعائلة مكونة من 5 إلى 6 أفراد». ولفت المتحدث باسم الوزارة إلى أن”الحكومة سوف تستورد 200 ألف طن من الغاز لسد النقص الذي ربما يحصل مستقبلاً لضمان الاستقرار، خاصة أن المنطقة والعالم تأذى بهذا الجانب”، مؤكداً، أنه “ما زلنا مسيطرين على جميع المشتقات النفطية وليس فقط موضوع الغاز».
التعليقات
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!