RSS
2026-07-30 14:24:40

ابحث في الموقع

مشاية الأربعين تختزل التأريخ بالخطوات

مشاية الأربعين تختزل التأريخ بالخطوات
بقلم: حسن كاظم الفتال

مما لا يختلف عليه إثنان إن مصيبة سيد الشهداء الإمام الحسين عليه السلام فاقت كل المصائب ولعل قول الإمام الحسن عليه السلام أقوى وأبرز وأصدق لحاظ لتفرد يوم الحسين عليه السلام عن باقي الأيام: (لا يوم كيومك يا أبا عبد الله).

إذ كان يومه مشروع تضحية واستشهاد بتقديم أجل وأقدس وأغلى قربان يفتدي به تحقيق جوهر الإصلاح ونشره بحق وصدق وإصرار وقوة برهان وعزيمة وتوكيد وبمفهومه الحقيقي الجوهري وخُطَّت لوائح الإصلاح بمداد الدم النازف من النحر الطاهر الزكي. وتجذر وانغرس في النفوس بكل ما يحمل من معانٍ ومضامين ومفاهيم وانشطرت منه انشطارات ارتكزت عليها مصاديق نصرة كرامة الإنسان الذي كرمه الله على سائر مخلوقاته ولما سعى بعض أئمة الجور والطغاة لسلب تلك الكرامة أو إنتهاكها. انتفض صلوات الله عليه ليرد ما سلبه الطاغوت.

حين تهيمن المودة على القلوب

الحسين عليه السلام أعلن عنه ساق العرش بأنه مصباح الهدى وأصبح سراجًا ترفده الجنان بالتبلج فيندلع منه نورٌ سرمدي أبدي. هذا النور تسلل بأهدافه ومقاصده إلى الوجدان الإنساني فامتلك أعماق السرائر النقية وبواطن العقول الزهية ومكنونات الضمائر الحية البهية والنفوس الصفية واستقطب ما لم يتح لسواه استقطابه وبهيمنة أريحية إرضائية بقناعة تامة بل مرجوة من أتباع يرجون تحقيقها والإنضواء تحت رعايتها إذ هي هيمنة الرؤوف الرحيم الحريص على حفظ النفس الزكية المحترمة وصونها لتتقي الإنتهاك. هيمنة رحمة وشفقة تنقذ من شفا جرف الهلكات. ليست هيمنة استحواذ وتسلط قسري .إنما هيمنة على القلوب. هيمنة منقذ من الفناء الروحي والباعث الروح في كل هيكلٍ يلتمس بعثها إليه. هيمنة لم يجد التأريخ رديفًا لها فدونها بانفراد وواحدية. باسم مولى راعٍ عادل قاسط شجاع بنزاهة.

تلك مزية لا تشابهها مزية لا من قبل ولا من بعد اختص بها سيد شباب أهل الجنة فراحت الأرواح والنفوس المتعففة والقلوب بخفقاتها تتمنى بكل اشتياق أن تحظى بنصيبٍ من شفقة هذه الهيمنة.

وحين أحست ولمست هذه القلوب بأنها عند قاب قوسين أو أدنى من إحراز النصيب الوافر راحت تلملم شتات كلما بعثره ماضي النسيان وتوخز الذاكرة بمناجات حسينية مولوية وتدعو إلى ائتلاف القلوب واندماجها فصارت جموعًا وحشودًا تترادف بالصيغ والأنماط التي يحق أن توصف هي الأخرى بالإنفراد والواحدية وحين نوت أن تقدم شكرها لمن أحيا فيها روح التآلف والإندماج آلت أن تمضي إليه مشيا على الأقدام بل حتى لو على الهامات وقبل أن تبدأ سبقتها عقولها وضمائرها وقلوبها بوعي تام قبل أجسادها لتفصح عن تأجج حرارة شوقها لمناصرة باعث الروح في جسد الإصلاح ومقيم الصلاح والفلاح .وتشكلت الجموع واحتواها إصرار على أن تساهم مساهمة فاعلة بالتذكير بأيام الله التي يترادف لها ومنها يوم الحسين عليه السلام.

الملتقى الثاني للفاجعة

هذه الحشود التي تتدفق كما تتدفق الأمواج في بحار هائجة العباب تتقحم لتواصل سيرها لتتجه إلى مستودع الرحمة لتمرغ قلوبها بغبار رغام يتطاير من وقع أقدام انصار عُدوا من العارفين بحق سيد الشهداء صلوات الله عليه.

فهم يعون أن يوم العاشر من المحرم هو اليوم المحتوم والموصوف بيوم الحسين عليه السلام المخصص له دون غيره إنما عدوه هو اليوم الأول وثمة يوم لن ينفصل أوانه عن يوم العاشر ألا وهو يوم الأربعين.

فإن كان يوم العاشر من المحرم هو اليوم المحتوم والمتحقق منه بأنه يوم الحسين عليه السلام 

فلا ريب أن يحدد يوم الأربعين بأنه اليوم الثاني من أيام الإمام الحسين عليه السلام الكربلائية الطفوفية بعد يوم العاشر.

حيث وقع فيه أعظم حدث جسد صورة فاجعة لم يخمد لهيب أوارها امتدت بها مساحات الحزن والأسى دون تحديد أمد ومدد فاجعة اليوم العاشر من المحرم راحت تلتحق بها فاجعة عودة ركب السبايا والأيامى والثكالى إلى موقع المأساة.

إحساس الموالين وتصورهم مأساة قطع مسيرة السبايا للمسافات الشاسعة وتحمل الأسى والضيم أصبحوا وكأنهم عاشوها مما ولد عندهم رغبة المواساة الشديدة وإعلان ذلك عمليًا فراحوا يعبرون عن ذلك بتكوين مسيرة المشاية.

اقترنت هذه التسمية بزيارة الأربعين فصارت علامة فارقة يتوسم بها موالو آل بيت رسول الله صلوات الله عليهم.

المشاية وما أدراك ما المشاية.

راحوا يشكلون جموعًا دون سابق ميعاد تسري تتحدى كل وعورة لأي طريق إن وجدت بل راحت الوعورة في الطرقات تندثر وتتساوى الأرض التي يدوسونها.

حراة الشمس اللاهبة كأنها تستثنيهم من اللفح أو لا تطالهم لأنهم أصلب من أن تصهر عزيمتهم وإصرارهم إذ هي ليست أشد حرارة وحرقة من الحرارة التي خلفها قتل الإمام الحسين عليه السلام في القلوب وأخبر عنها جده النبي الأكرم محمد صلى الله عليه وآله والأئمة الأطهار صلوات الله عليهم أجمعين من بعده .

نعم يكابدون لهيب حرارة الشمس لأنهم يمتلكون بصيرة يشاهدون بها ملائكة لا زالت تطوف في الفضاء بين السماء والأرض تتناوب بين النزول والعروج تعزي وتواسي وتبسط أجنحتها تلك التي بسطتها يوم الطفوف لتظلل بها جسد ريحانة رسول الله صلى الله عليه وآله الإمام الحسين عليه السلام يوم هوى على رمضاء كربلاء كما تخُرُ نجوم السماء. فهذه الملائكة تبسط اليوم أجنحتها ثانية ليستظل بها الوافدون الذي هم (المشاية).

مشاؤون تسبقهم القلوب لمأواها

هؤلاء الوافدون القاطعون المسافات الشاسعة ليس مشيًا على الأقدام بل كأن هاماتهم هي التي تترجل وتتدحرج مع قلوبهم لتحظى بسبق الوقوف على هضبات الطف. تسبق أجسادَهم عقولُهم وضمائرُهم وأحاسيسُهم ومشاعرُهم لتحظى بمرافقة ركب السبايا عسى أن تصطحب معها الرؤوس الطاهرة المطهرة وتشارك جابر بن عبد الله الأنصاري في استقباله ومواساته لآل بيت رسول الله صلى الله عليه وآله لتُشرَك بما فعله جابر الأنصاري رضوان الله عليه عند ملامسته القبر حين تحسس برده وربما يتيسر لها أن تقدم التعازي والمواساة للإمام زين العابدين وللصديقة الصغرى الحوراء زينب الكبرى عليهما السلام وعسى أن تطفئ لهيب القلوب الملتهبة بحرقة الأسى على سيد الشهداء عليه السلام وتبرد حرقتها بسيل من الدموع الجارية التي يدعو لها الإمام الصادق صلوات الله عليه بأن تكون مرحومة من الله جل جلاله. اللهم َارْحَم تِلكَ الأعْيُنَ الَّتي جَرَتْ دُمُوعُها رَحمةً لَنا.

المشاية: تسمية إختص بها الموالون الحسينيون الذين يدونون بخطواتهم سفرًا انفردوا بتدوينه. تكونها توليفة مقدسة منزهة.

كربلاء لا المدينة بل المدرسة

قلوب تتلظى لكنها لا تتخلف عن التسابق والتنافس فيما بينها وما مبتغاها إلا أن تحظى بالسبق لدخول مدينة سيد الشهداء عليه السلام مدينة كربلاء المقدسة على أن لا تدخلها كمدينة مشيدة عليها الأبنية من البيوت وغيرها ولا لكي تمشي على شوارع معبدة مكسية ناعمة الملمس محاطة بأنوار من النشرات الضوئية والمصابيح الملونة. المشاية لا تبحث عن ذلك إنما تتطلع لإبصار نور منبعثٍ من مصباح هدى تستضيء به قلوبهم ونفوسهم. فهي لا تتعامل مع المدينة بمعيار الجمالية بهكذا صورة . إنما تدخلها كمدرسة تستلهم منها دروسا لا يتقنها كبار دعاة الحكمة دروس اختص بإعطائها سبط رسول الله صلى الله عليهما وآلهما في التضحية والإباء والفداء والكبرياء والزهو والعنفوان الذي صنعه هو صلوات الله عليه.

إستيحاء الدرس البليغ

كم من نائمٍ غارقٍ بسباته لفترات من الزمن أيقظه صدى صرخات هذه الجموع حين تطلق حناجرها بحماس هتاف لبيك يا حسين أو أبد والله لا ننسى حسينا. فكم من ساهٍ أوغافل إنتبه وإن لم يصاحب الماشين بجسده وبحركته فلعله يصاحبهم بنيته وبعقله وضميره وأحاسيسه وسيظل منتبهًا لا تعتريه بعد اليوم حتى سنة من النوم.

مواثيق يخطها الأوداء والمناصرون

حشود ترسم بخطاها حروفًا للتأريخ بل تكتب التأريخ لتقرأه الأجيال القادمة.

يواصلون السير فيحددون بخطواتهم محطات سوف يمر بها القادم ما بعدهم وربما سيتسمر عندها.

جاؤوا مخلفين وراءهم كل ما يتعلق بهم وكلما يرتبط بزهو الدنيا ونعميها وزبرجدها أعلنوا التخلي عن كل شيء ليتمسكوا بشيء واحد حسب وهو عمق التوداد مع سيد الشهداء عليه السلام والإتصال بنوره.

أودّاء للحسين عليه السلام يعني أنهم أوداء لله جل وعلا ولرسوله صلى الله عليه وآله ومناصرون للإصلاح الذي ركز الإمام الحسين عليه السلام قواعده.

بعض المنصهرين ببوتقة الحق والمناصرين له وللعدالة والإنصاف يتمعنون في صور مشرقة مشرفة تشع أنوارها فتلامس بريق العيون فتشافيها من تراكم العتمة فيها ومما يحجب عنها النظر بوضوح.

أهل الحق ومناصروه هكذا يتأملون هذه اللوحات ويتعاطون مع الصور التي يرسمها المشاؤون فيستمتعون بصدق ما تعكس من بريق وتبقى مرسومة على فضاءات الحب والولاء تشاهدها بصائر التائقين للتحرر من كل العبوديات والباحثين عن عزة وزهو الكرامة . أما العميان عن رؤية الحق مكفوفي البصيرة لا يبصرون إذ إن عتمة الباطل وظلمات الحسد والضغينة تحجب عنهم كل إشعاع تبثه قوة المودة لذوي القربى. تلك صور ولقطات ليست عابرة ترتسم اليوم وتمحى بعد أيام إنما ستظل متجسمة على فضاءات سفر أمة إنتهجت منهج الجهاد بكل معانيه وتفاصيله من أجل أن تحيا حياة أراد الله جل وعلا لها يتمتع الإنسان بأنسنته بكل استحقاق.

خطوات بتسبيح وتهليل

هؤلاء المشاؤون الحدود والمسافات الفاصلة بين أوطانهم وكربلاء المقدسة مسافات واسعة وطويلة لكن أبعادها وأطوالها تنعدم وتلغى كل المسافات البعيدة إذ هم لا يفكرون ولا يشعرون إلا بالإنشداد إلى ملاقاة توهج نور الحسين عليه السلام واعتناقه دون أن تفصلهم عنه أي مسافة فهم متلاصقون بها

فهم تخلوا عن كل ميل إلا الميل لسيدهم ومولاهم ومبتغاهم لذا فهم يحولون خطواتهم إلى تسبيحات وتهليلات وأنفاسهم تحايا لسيد الشهداء عليه السلام يختمونها بما لا يعد ولا يحصى من الحمد والشكر على نعمة التقائهم بنور سبط رسول الله الإمام الحسين صلى الله عليهما وآلهما   

وهذا ما دعا أن تتمنى المجتمعات لو انها امتلكت ما يمتلك هؤلاء من رموز تصنع لها الهيبة والإجلال والمقام السامي  لتتخذ منه علامة حضارية دالة تدل على شرفية تأريخها الماضي والحاضر وترسم لها حدود المستقبل. 

المقالات لا تعبر عن وجهة نظر الوكالة، وإنما تعبر عن آراء كتابها
التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!