RSS
2026-09-04 19:19:25

ابحث في الموقع

ممر "فيشخابور-أوفاكوي".. هل يُعجل بولادة طريق التنمية أم يُطلق عليه رصاصة الرحمة؟

ممر "فيشخابور-أوفاكوي".. هل يُعجل بولادة طريق التنمية أم يُطلق عليه رصاصة الرحمة؟
في وقت تسعى فيه بغداد إلى ترسيخ موقع العراق بوصفه محوراً للتجارة والنقل بين الخليج وتركيا وأوروبا، تعيد الحكومة تفعيل مسارات برية جديدة، أبرزها ممر فيشخابور– أوفاكوي، باعتباره امتداداً لمنظومة طريق التنمية.

وفيما ترى بغداد أن تعدد الممرات يمكن أن يحول العراق إلى عقدة تجارية ولوجستية إقليمية ويفتح الباب أمام إيرادات بمليارات الدولارات، يواجه هذا الطموح تحديات كبيرة تتعلق بضعف البنى التحتية، والطرق والسكك الحديدية، والمعابر والكمارك، فضلاً عن مخاطر تأخر تنفيذ طريق التنمية وفقدانه جزءاً من حركة الترانزيت لصالح مسارات إقليمية بديلة.

شبكة ممرات

ويقول مستشار رئيس الوزراء مظهر محمد صالح، إن “ممر فيشخابور- أوفاكوي، والممر العراقي- التركي- السوري، لا ينبغي أن يُنظر إليهما بوصفهما منافسين لطريق التنمية، وإنما كفروع وممرات تغذية تعزز منظومته وتوسع نطاق الحركة التجارية عبر العراق”.

ويؤكد، أن “نجاح العراق في تحوله الى ممر مركزي في حركة النقل والمرور العابر، ذلك ليس في جعل طريق التنمية مساراً وحيداً، بل في جعله العمود الفقري لشبكة متكاملة من الممرات التجارية المتعددة”.

اجتماع ثلاثي

وأعلن رئيس هيئة المنافذ الحدودية عمر عدنان الوائلي، الأربعاء (2 أيلول 2026) من أنقرة، خلال اجتماع ثلاثي عراقي سوري تركي، تفعيل الاتفاقية العراقية – التركية الخاصة بطريق التنمية، والمضي في استحداث منفذ فيشخابور – أوفاكوي، ضمن خطوات ربط العراق بتركيا عبر شبكة متكاملة للنقل البري والسكك الحديدية.

وشملت مباحثات أنقرة، رفع مستوى التبادل التجاري وتنشيط حركة الترانزيت وتسهيل حركة البضائع والمسافرين، فضلاً عن تطوير آليات التنسيق وتبادل المعلومات بين المؤسسات المختصة، وتقليل المعوقات الحدودية واللوجستية ورفع كفاءة الممرات التجارية، في إطار توجه عراقي لتوسيع الربط الإقليمي والاستفادة من موقع البلاد بين الخليج وتركيا وسوريا والأردن وإيران.

مكاسب اقتصادية

ويرى مستشار رئيس الوزراء، أن “البنية التحتية الحالية تبدو قادرة على استيعاب نمو تدريجي في حركة الشاحنات والبضائع، لكنها لا تزال غير كافية لاستيعاب قفزة كبيرة في حركة الترانزيت، الأمر الذي يتطلب تطوير البنى التحتية بصورة متوازية، ولا سيما المعابر الحدودية والكمارك والطرق والسكك الحديدية والمناطق اللوجستية”.

ويضيف: “من شأن ذلك أن يحقق مكاسب اقتصادية تتجاوز رسوم العبور والترانزيت، لتشمل الموانئ والتخزين والنقل والخدمات اللوجستية والصناعة والاستثمار، بما قد يدر على بلادنا مليارات الدولارات سنوياً عند الوصول إلى التشغيل الكامل والطاقات المستهدفة”.

عقدة تجارية

ويعتير صالح، أن “تعدد الممرات يعزز الأهمية الجيو-اقتصادية للعراق، فبدلاً من الاعتماد على مسار واحد، يمكن للعراق أن يتحول إلى عقدة تجارية ولوجستية تربط الخليج بتركيا وسوريا وأوروبا، وعلى نحو يعزز موقعه في منظومة التجارة الإقليمية والدولية”.

ويستطرد المستشار الحكومي، في تعداد فوائد الربط البري بين الدول الثلاث، قائلاً: “من الجانب الدبلوماسي، فإن تعاظم الترابط التجاري يمكن أن يسهم في خلق مصالح مشتركة بين الدول المعنية، وترسيخ مفهوم المكاسب المتبادلة التي تجعل كلفة الانغلاق وتعطيل الممرات التجارية أعلى من كلفة التعاون واستمرارها”.

طريق التنمية

لكن صالح، لا يخفي هواجسه المتمثلة بـ”احتمال تأخر تنفيذ طريق التنمية في وقت تصبح فيه الممرات البرية الأخرى أكثر سرعة وأقل كلفة، الأمر الذي قد يؤدي إلى استقطاب جزء من حركة التجارة بعيداً عنه. ومن ثم، فإن التحدي أمام بلادنا لا يكمن في اختيار ممر على حساب آخر، بل في تحقيق التوازن بين مسارات النقل وتكاملها، وفق حسابات دقيقة للجغرافيا الاقتصادية وكلف النقل والوقت والطلب التجاري، بما يضمن أن تتحول هذه الممرات مجتمعة إلى منظومة تعزز موقع العراق بدلاً من أن تتنافس داخلياً على الحركة التجارية نفسها”.

ووقعت وزارتا النقل العراقية والتركية في 28 تموز يوليو الماضي، مذكرة تفاهم بشأن النقل بالسكك الحديدية والطرق البرية عبر معبر فيشخابور– أوفاكوي.

وترى بغداد في طريق التنمية مشروعاً إستراتيجياً لتنويع موارده الاقتصادية وتعزيز حركة التجارة والترانزيت والاستفادة من موقعه الجغرافي بين الخليج وتركيا وأوروبا.

مشكلات وعراقيل

من جانبه، يؤكد الخبير الاقتصادي منار العبيدي، أن “التقديرات العراقية المتداولة لطريق التنمية تشير إلى تحقيق نحو أربعة مليارات دولار سنوياً من الإيرادات المباشرة عند اكتمال المشروع”، مبيناً أن “المكسب الحقيقي يمكن أن يكون أكبر بكثير إذا تحولت الممرات إلى صناعة لوجستية متكاملة تشمل التخزين والتأمين والنقل والمدن الصناعية والخدمات”.

ويوضح، أن “الطاقة المخططة للممر تصل إلى نحو 6.4 ملايين حاوية سنوياً عند اكتمال منظومة السكك والطريق، إلا أن المشروع واجه العديد من المشكلات والعراقيل التي قد تعيق تحقيق أهدافه”.

ويشير العبيدي إلى أن “أولى هذه المشكلات تتمثل في صعوبة توفير الگاز للشاحنات التي ستتولى نقل البضائع، إلى جانب عدم امتلاك العراق بنية تحتية قادرة على تحمل هذا العدد الكبير من الشاحنات، فضلاً عن أن الطرق غير مجهزة أساساً لاستيعاب هذا الحجم من حركة النقل”.

ويكمل، أن “احتمال تحول العراق الى جزء من هذا الطريق يواجه معوقات قد تستعين الدول بطرق بديلة في حالة عدم ايجاد حلول لهذه المعوقات”.

السكك الحديدية

وفي ما يتعلق بالسكك الحديدية، يبين العبيدي، أن “القطارات الموجودة في العراق لا تحظى بصيانة كافية، كما أن تجهيزاتها ضعيفة وقديمة وتستغرق وقتاً طويلاً في التنقل”، متسائلاً عن “كيفية الاعتماد عليها لنقل البضائع بين الدول في ظل هذه الظروف؟”.

ويردف، أن “رحلة القطار بين مدينة وأخرى داخل العراق قد تستغرق بين 10 و11 ساعة، الأمر الذي يثير تساؤلات بشأن المدة التي سيحتاجها نقل البضائع من دولة إلى أخرى”.

وينوه، إلى أن العراق لا يمتلك أساساً بنية تحتية أو جاهزية يمكن البناء عليها لإنشاء شبكة السكك المطلوبة للمشروع، معتبراً أن هذه التحديات قد تقود إلى فشل المشروع.

ويخلص العبيدي، الى أنه “وبحسب الأرقام فإن نجاح مشروع طريق التنمية مرهون بوجود إرادة حقيقية تعمل لبناء منظومة متكاملة تتجاوز من خلالها التحديات الحالية”.

وكان الخبير في مجال النقل الدولي زياد الهاشمي، قد نبه في تصريح سابق، إلى أن العراق يواجه تحدياً في جذب الاستثمارات الدولية اللازمة لمشروع طريق التنمية، إذ ما تزال هناك حالة من التردد لدى العديد من المستثمرين الإقليميين والدوليين، مطالباً الحكومة بتسويق المشروع بصورة أكثر فاعلية وربطه بالمسارات اللوجستية القائمة في المنطقة، ومنها مشاريع الربط السككي الخليجية، بما يعزز فرص تحوله إلى جزء من شبكة نقل إقليمية متكاملة بدلاً من بقائه مشروعاً منفرداً.

وأكد أن النموذج الأصلي لطريق التنمية كان يعتمد بصورة أساسية على عمليات المناولة والتحميل والتفريغ القادمة عبر الميناء، لكن ذلك لا يعني فقدان الميناء لأهميته الاقتصادية بسبب اضطرابات مضيق هرمز، بل يتطلب البحث عن حلول مرنة ومؤقتة، من بينها ربط المسارات البرية العراقية بالمسارات الخليجية لتجاوز أي اختناقات محتملة في حركة الشحن، إلى حين عودة الاستقرار الكامل للممرات البحرية في الخليج، على حد تعبيره.

ولا يُنظر إلى طريق التنمية باعتباره مشروع نقل فحسب، بل أصبح رهان العراق الأكبر لإعادة التموضع على خارطة التجارة العالمية، فالمشروع الذي ينطلق من ميناء الفاو الكبير وصولاً إلى الحدود التركية صُمم ليكون ممراً اقتصادياً متكاملاً يربط الخليج بأوروبا عبر الأراضي العراقية، مستفيداً من الموقع الجغرافي للبلاد كحلقة وصل بين آسيا وأوروبا، كما يتضمن المشروع إنشاء مناطق صناعية ولوجستية ومراكز خدمية على امتداد مساره، بما يجعله جزءاً من رؤية أوسع لتنويع الاقتصاد وتقليل الاعتماد على النفط، وهو ما يفسر حساسية أي تطورات في المنطقة قد تؤثر في جدواه أو في حجم الاستثمارات المتوقعة له.



المصدر: العالم الجديد
كلمات مفتاحية
كرار الاسدي

كرار الاسدي

كاتب في وكالة نون الخبرية

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!