RSS
2026-10-03 14:45:47

ابحث في الموقع

اختلاس 4 مليارات من دائرة "لا تملك 25 ألف دينار".. مفارقة الفساد المرعبة في العراق!

اختلاس 4 مليارات من دائرة "لا تملك 25 ألف دينار".. مفارقة الفساد المرعبة في العراق!
أعاد استرداد موظفة سابقة بصحة واسط من لبنان، مدانة بالمؤبد لاختلاسها 3.7 مليارات دينار، فتح باب الجدل واسعاً حول مصير الأموال العامة المنهوبة.

وحذر برلمانيون وخبراء من ثغرة قانونية خطيرة تتيح للمختلسين إنهاء محكوميتهم والخروج من السجن دون إرجاع المبالغ المسروقة، وسط مخاوف جدية من إفلات الفاسدين من العقاب عبر قوانين العفو العام، مما يضعف جهود مكافحة الفساد في العراق.

المختلسة وقانون العفو

ويقول عضو لجنة النزاهة النيابية حامد محمد كاظم، إنه “إذا كانت الجريمة قد ارتكبت قبل صدور قانون العفو، فإنها تكون مشمولة به، أما إذا وقعت بعد صدور القانون، فلا تكون مشمولة بالعفو، لكن هناك احتمال أن يكون الحكم على المتهمة بقضية تضخم الأموال، كما حصل مع المدانين في قضية عدنان الجميلي”.

ويوضح، أن “تشريع قوانين العفو يستهدف، في الغالب، جميع الجرائم باستثناء الجرائم التي ينص قانون العفو على استثنائها”، مبيناً أنه “في حال وجود مبالغ مترتبة بذمة المتهم نتيجة الجريمة التي ارتكبها، فإنه يجري تضمينه تلك المبالغ”.

وأعلنت هيئة النزاهة الاتحادية، يوم أمس الأول الخميس، استرداد موظفة حكومية هاربة من لبنان، مدانة بقضيتي اختلاس قرابة أربعة مليارات دينار من أموال دائرة صحة واسط.

أدناه نسخة مصورة من قرار قضائي صادر عن المحكمة الاتحادية العليا في عام 2017 يلغي قانواً سابقاً كان يُبقي السجين في السجن لحين تسديد أموال الدولة المتهم باختلاسها.

من لبنان إلى العراق

وقالت هيئة النزاهة، في بيان رسمي، إن دائرة الاسترداد أعادت فتح ملف استرداد المدانة الهاربة علياء حسوني، الموظفة السابقة في دائرة صحة واسط، وأرسلته عبر الجهات المختصة إلى السلطات اللبنانية، قبل أن تفضي المتابعة والتنسيق مع الجهات الداخلية والخارجية إلى إلقاء القبض عليها وتسليمها إلى الجانب العراقي عبر مديرية الشرطة العربية والدولية “الإنتربول”.

وأضافت الهيئة، أن عملية الاسترداد جاءت نتيجة تواصل جهود الملاحقة الدولية والتنسيق مع الجهات المعنية، وفي مقدمتها مديرية الشرطة العربية والدولية في وزارة الداخلية والجهات القضائية، ولا سيما جهاز الادعاء العام، فضلاً عن سفارة جمهورية العراق في لبنان.

وتشير تفاصيل القضية إلى إدانة الموظفة باختلاس 2,855,313,401 ديناراً من أموال دائرة صحة واسط خلال مدة عملها، فضلاً عن اشتراكها باختلاس مبلغ آخر قدره 923,719,423 ديناراً، ليصل مجموع المبلغين المختلسين إلى 3,779,032,824 دينارا.

ثغرة قانونية لم تعالج حتى الآن

من جهته، يقول رئيس مؤسسة النهرين لدعم الشفافية والنزاهة محمد رحيم الربيعي، إن “استرداد المتهمين بقضايا الفساد والمحكومين يمثل خطوة حقيقية وجدية ضمن جهود مكافحة الفساد في العراق”، لكنه يشير إلى وجود ثغرة قانونية في التشريعات العراقية لم تعالج حتى الآن، وهذا مؤشر على غياب الدور التشريعي الحقيقي في مكافحة الفساد.

ويوضح ، أن “المحكمة الاتحادية العليا ألغت عام 2017 قرار مجلس قيادة الثورة المنحل رقم 124 لسنة 1994، الذي كان يمنع إطلاق سراح الموظف المختلس حتى بعد انقضاء مدة محكوميته، ما لم يسترد منه كامل المبلغ المختلس”، مشيراً إلى أن “المحكمة ألغت القرار بدعوى حقوق الإنسان، من دون إنجاز تشريع بديل يحل محله”.

ويضيف، أن “إلغاء القرار كلف العراق مليارات الدنانير التي لم تسترد، فضلاً عن خسائر أخرى تمثلت في التمادي بالاعتداء على المال العام، فجريمة الاختلاس، رغم تجريمها قانوناً، لم تواجه بإجراءات فاعلة بسبب تكرار قوانين العفو، ومنها قانون العفو العام لعام 2016 وتعديله في 2025، وهذه الإجراءات تساعد المتهمين أو مرتكبي أفعال الفساد على الإفلات من العقاب”.

اختلاس 4 مليارات من دائرة فقيرة!

ويتأسف الربيعي على أن “التجاوز على المال العام أصبح فعلاً بسيطاً، وأن بعض موظفي القطاع العام باتوا يتجرأون على ارتكاب أفعال اختلاس المال العام”، لافتاً إلى أن “تعديل قانون هيئة النزاهة الاتحادية والكسب غير المشروع عام 2019، وما تضمنته المادة 19 بشأن استرداد الكسب غير المشروع ومصادرته وفرض غرامة بحجم تلك الأموال وعقوبة السجن، لم يعالج الثغرة القانونية التي أحدثها إلغاء القرار السابق”.

ويؤكد الحاجة إلى “تشريع يوازي القرار الملغى ويحد من ارتكاب أفعال الاختلاس”، مستشهداً بقضية الموظفة في دائرة صحة واسط، قائلاً إن “الاختلاس وصل فيها إلى أربعة مليارات دينار، رغم أن الدائرة تفتقر إلى أبسط مقومات المؤسسات الحكومية ولا تقدم للمواطنين سوى خدمات محدودة في القطاع الصحي”.

وينبه إلى أن مؤسسة النهرين لدعم الشفافية والنزاهة، عندما كانت تنفذ عام 2023 برنامجاً لتعزيز الشفافية المالية في قطاعي الصحة والتعليم، وجدت أن الدائرة ذاتها لم تكن تمتلك 25 ألف دينار لتحديث الموقع الإلكتروني أو دفع اشتراك حزم النطاق، وهو ما كان يمثل إحدى المشكلات التي حالت دون امتلاكها موقعاً إلكترونياً، في حين وصلت قيمة الاختلاس المنسوب إلى الموظفة إلى أربعة مليارات دينار”.

أدلة وشهود وتحقيق إداري

وسبق لمحكمة جنايات واسط – الهيئة الجنائية الأولى أن نظرت القضية، واطلعت على الأدلة والإثباتات المتحصلة، التي تمثلت بإفادة الممثل القانوني لدائرة صحة واسط وأقوال الشهود ونتائج التحقيق الإداري والتقارير المربوطة في الدعوى، فضلاً عن قرينة هروب المدانة.

وبحسب بيان هيئة النزاهة، وجدت المحكمة تلك الأدلة كافية ومقنعة لإدانتها عن جريمة الاشتراك باختلاس المال العام.

وفي ما يتعلق بتوقيت القضية، يبين الربيعي، أن “بيانات الجهات الرقابية الصادرة لم توضح بشكل صريح ما إذا كانت أفعال الاختلاس قد ارتكبت قبل صدور قانون العفو العام في 21 كانون الثاني 2025 أم بعده”.

ويرى أنه “إذا كانت الأفعال قد ارتكبت قبل 21 كانون الثاني 2025، فإنها ستكون مشمولة بقانون العفو، فضلاً عن وجود صعوبة في استرداد الأموال منها بسبب الثغرة القانونية التي خلفها إلغاء قرار مجلس قيادة الثورة المنحل”.

أما إذا كانت أفعال الاختلاس قد ارتكبت بعد 21 كانون الثاني 2025، فيؤكد الربيعي أنها “ستكون غير مشمولة بقانون العفو، وذلك سيعني أن الأجهزة الرقابية تمكنت، خلال مدة قياسية بحدود عام ونصف، من استرداد مدانة بقضايا فساد والحكم عليها وإعادتها خلال مدة لا تتجاوز 18 شهراً، وهو فارق يرى أنه يستوجب توضيح توقيت القضية بدقة”.

مؤبد و3.779 مليارات واجبة السداد

وانتهى المسار القضائي إلى إصدار المحكمة حكماً غيابياً بالسجن المؤبد بحق المدانة، استناداً إلى أحكام المادة 315/الشق الثاني من قانون العقوبات العراقي المعدل، وبدلالة مواد الاشتراك 47 و48 و49 منه.

كما ألزمت المحكمة المدانة بتأدية 3,779,032,824 ديناراً إلى دائرة صحة واسط، ومنحت الجهة المتضررة الحق في المطالبة بالتعويض بعد اكتساب الحكم الدرجة القطعية.

ويشدد رئيس مؤسسة النهرين لدعم الشفافية والنزاهة على “ضرورة ذكر أرقام الأحكام وعدم الاكتفاء بذكر المادة القانونية، إلى جانب إعلان تاريخ القضية وتاريخ الحكم، ليكون المواطن على اطلاع كامل بهذه القضايا بما يسهم في حماية المال العام”.

ماذا تقول المادة 315؟

ويستند الحكم إلى المادة 315 من قانون العقوبات رقم 111 لسنة 1969 المعدل، التي تعاقب بالسجن كل موظف أو مكلف بخدمة عامة يختلس أو يخفي مالاً أو متاعاً أو ورقة مثبتة لحق أو غير ذلك مما وجد في حيازته.

وتنص المادة كذلك على أن العقوبة تكون السجن المؤبد أو المؤقت إذا كان الموظف أو المكلف بخدمة عامة من مأموري التحصيل أو المندوبين له أو الأمناء على الودائع أو الصيارفة، واختلس شيئا سلم إليه بهذه الصفة.

ويخلص الربيعي إلى “ضرورة أن تعمل هيئة النزاهة ضمن برنامج محدد تصدر عنه تقارير سنوية، بما يتيح للمواطنين دعم هذا البرنامج والتعاون مع الجهات الرقابية، بدلاً من بقاء المعلومات في منشورات متفرقة يرى أنها تحاول تحجيم دور الأجهزة الرقابية”.

وبذلك، لم تعد قضية صحة واسط مرتبطة باسترداد المدانة من لبنان فقط، إذ يبرز إلى جانب عقوبة السجن ملف المبلغ المحكوم بتأديته إلى الدائرة، والبالغ أكثر من 3.779 مليارات دينار، لتنتقل القضية من مرحلة الملاحقة الدولية وإعادة المدانة إلى العراق، إلى مسار تنفيذ الحكم واسترداد المال العام.




المصدر: العالم الجديد
كرار الاسدي

كرار الاسدي

كاتب في وكالة نون الخبرية

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!